انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

برّ الوالدين والسلطة الخفية: تأملات فلسفية

د. محمود عبد المجيد عساف
د. محمود عبد المجيد عساف

باحث وأكاديمي فلسطيني

5 دقائق للقراءة
11 مشاهدة
برّ الوالدين والسلطة الخفية: تأملات فلسفية
مشاركة:

يُعد برّ الوالدين من القيم الأخلاقية العليا في معظم المجتمعات، حيث يُنظر إليه على أنه واجب أساس يربط الفرد بوالديه ويعكس احترامه وتقديره لهما بغض النظر عن الظروف أو المواقف الشخصية. في الدين والتقليد الاجتماعي، يُصور البرّ على أنه فعل محوري في تكوين الأخلاق الفردية، وهو وسيلة لتعزيز الروابط الأسرية والمجتمعية، وقد يوصف في كثير من الأحيان بأنه مقياس للفضيلة والالتزام الأخلاقي. إلا أن النظر إلى برّ الوالدين من منظور فلسفي نقدي، وخاصة عبر أفكار ميشيل فوكو حول السلطة والانضباط الاجتماعي، يقدم قراءة مختلفة، تتجاوز النظرة السطحية التي تقتصر على الفضيلة أو الاحترام، لتكشف عن البعد الاجتماعي والسياسي الخفي لهذا الفعل.
يرى فوكو أن السلطة لا تتجسد فقط في القوانين أو القوة المادية، بل في الممارسات اليومية، والتعليم، والعلاقات الاجتماعية التي تشكل السلوك الفردي منذ الصغر، وهو ما يطرح البرّ ليس فقط كقيمة أخلاقية، بل كأحد أشكال الانضباط الاجتماعي الذي يبدأ منذ الطفولة.
في هذا الإطار، يمكن فهم برّ الوالدين على أنه ممارسة تربوية للسيطرة والسلطة، حيث يتعلم الطفل الطاعة والمراقبة الذاتية منذ مراحل مبكرة من حياته. فالتعليمات اليومية، والتوجيهات المتكررة، والرقابة المستمرة من قبل الوالدين لا تشكل مجرد وسيلة لتنشئة الطفل بطريقة منظمة، بل هي وسيلة لإدخاله في شبكة من الانضباط الاجتماعي تجعل تصرفاته متوافقة مع القواعد والمعايير المقبولة في المجتمع. بهذا المعنى، البرّ لا يمثل فقط علاقة فردية أو عاطفية بالوالدين، بل هو أداة لإعادة إنتاج السلطة، حيث يصبح الطفل، ومن ثم الفرد البالغ، أكثر قابلية للامتثال للنظم الأكبر، سواء كانت مؤسساتية أو اجتماعية، حتى في غياب أي سلطة مباشرة تراقبه.
هذا الامتثال الداخلي أو الانضباط للطفل يُظهر كيف يمكن لبرّ الوالدين أن يكون امتثالًا ميكانيكيًا وليس فعلًا أخلاقيًا نابعًا من الحرية والوعي. فالاحترام والطاعة، إذا لم يكونا مبنيين على فهم ووعي، قد يتحولان إلى تقليد اجتماعي يضمن استمرارية الهيمنة والتحكم في الأفعال والسلوكيات. ومن منظور فوكو، هذا الامتثال يشكل جزءًا مما يسميه "السلطة الدقيقة"، أو السلطة التي تعمل من خلال الانضباط الداخلي للفرد، وليس بالقوة المباشرة أو العقاب الظاهر. وبذلك، يصبح البرّ ممارسة تربوية تتماهى مع السلطة، ما يجعل الفضيلة المعلنة ليست مجرد تقدير حقيقي للوالدين، بل ممارسة ضمن شبكة من العلاقات الاجتماعية التي تثبت القواعد والمعايير الأخلاقية السائدة.
إن التفكير النقدي في هذا السياق يطرح أسئلة جوهرية حول الحرية الفردية ومسؤولية الفعل الأخلاقي. فعندما يُمارس البرّ كامتثال ميكانيكي، يصبح الفرد في الواقع مجرد أداة لإعادة إنتاج السلطة داخل المجتمع، حيث تتكفل الممارسة اليومية للطاعة بتحويل الفرد إلى عنصر امتثالي قادر على المحافظة على النظام الاجتماعي دون وعي كامل بما يقوم به. هذا يوضح الفرق بين الطاعة المبنية على الحب والاحترام الواعي، والطاعة التي تتحقق بسبب الوازع الديني أو الانضباط الاجتماعي والتلقين المبكر، وهو فرق جوهري في فهم العلاقة بين الأخلاق والسلطة. فالبرّ في صورته التقليدية قد يختزل الفرد إلى كائن امتثالي، بينما الفضيلة الحقيقية تكمن في القدرة على التقدير الواعي الذي يجمع بين الاحترام للوالدين والحفاظ على الحرية الشخصية واستقلالية الرأي.
تتضح هذه الرؤية بشكل أكثر وضوحًا في أوقات الأزمات، حيث يصبح البرّ في بعض الأحيان أداة للبقاء وليس مجرد فعل أخلاقي. فالطفل أو الشاب في مجتمع مضطرب قد يتعلم منذ الصغر أن الاحترام والطاعة للوالدين يضمن له حماية أو موارد أو حتى مكانة اجتماعية. هنا يتحول البرّ إلى تكيف اجتماعي ضروري، ويصبح امتثال الفرد جزءًا من شبكة البقاء داخل النظام الاجتماعي الصغير الذي يمثله الأسرة أو الجماعة الأقرب. وبذلك، يظهر البعد السلطوي الخفي للبرّ، إذ إن الالتزام بالفضيلة الظاهرية يمكن أن يخفي دوافع عملية مرتبطة بالحفاظ على الذات، وليس فقط القيم الأخلاقية. وفي هذه الحالات، يصبح البرّ فعلًا مزدوجًا، يجمع بين المصلحة الذاتية والالتزام بالقيم، مما يجعل فهمه وتحليله أكثر تعقيدًا.
علاوة على ذلك، يمكن أن يُنظر إلى البرّ من زاوية تكوين الهوية الفردية في المجتمع. فالأطفال الذين يربون على التلقين المستمر للبرّ، والذين يُعلَّمون منذ الصغر أن الاحترام والطاعة هما الفضيلة القصوى، ينشأون في كثير من الأحيان وقد تم تشكيل هويتهم وفق إطار خارجي، ما يقلل من قدرتهم على التفكير النقدي أو ممارسة الحرية الأخلاقية الفعلية. فالأخلاق هنا لا تنشأ من اختيار واعٍ، بل من الامتثال المسبق للقواعد التي فرضها الآخرون، سواء كانوا الوالدين أو المجتمع الأوسع. هذا يجعل البرّ أحيانًا أداة للسيطرة، تتجاوز نطاق الأسرة لتصبح جزءًا من ما يصفه فوكو بالسلطة الميكانيكية الدقيقة التي تُمارس على الأفراد من أجل المحافظة على الانضباط العام.
إن قراءة البرّ بهذه الطريقة تدعو إلى إعادة التفكير في معنى الاحترام والطاعة، والتأمل في معناه في القرآن الكريم. فالبرّ الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد طاعة ميكانيكية أو الالتزام بالقواعد، بل القدرة على التقدير الواعي للوالدين والاعتراف بفضليهما، والقدرة على الموازنة بين الواجب العاطفي والوعي بالذات والحرية الفردية. الاحترام الواعي هنا يتضمن القدرة على النقد والتساؤل، وهو ما يحول الطاعة إلى فعل أخلاقي حقيقي، بعيدًا عن الامتثال الذي يعيد إنتاج السلطة دون وعي. ومن هذا المنطلق، يصبح البرّ ممارسة أخلاقية مسؤولة، لا مجرد قاعدة اجتماعية موروثة، ويتيح للفرد أن يكون مشاركًا نشطًا في تحديد قيمه وعلاقاته، وليس مجرد تابع للأنظمة التي تربى عليها.
يمكن القول إن هذا التحليل الفلسفي يفتح آفاقًا جديدة لفهم برّ الوالدين، بعيدًا عن الصور المثالية أو التقليدية التي تقدم الطاعة والاحترام كقيم مطلقة. ففهم البرّ في ضوء أفكار فوكو يكشف عن البعد الخفي للسلطة في الحياة اليومية، وعن الطريقة التي تشكل بها الممارسات الأسرية سلوك الفرد وانضباطه الذاتي. البرّ هنا ليس فقط مسألة أخلاقية أو عبادة، بل جزء من شبكة علاقات القوة التي تعمل منذ الطفولة لتشكيل الفرد والمجتمع على حد سواء. ومن هذا المنطلق، يصبح الاحترام والطاعة الواعيان فضيلة حقيقية، بينما الطاعة الميكانيكية مجرد إعادة إنتاج للهيمنة الاجتماعية.
في نهاية المطاف، تكشف هذه الرؤية أن العلاقة بين الفرد ووالديه ليست مجرد تفاعل عاطفي أو التزام ديني، بل ميدان أخلاقي وسياسي يختبر فيه الفرد حريته ووعيه ومسؤوليته. البرّ، عند قراءته بهذه الطريقة، يصبح أكثر من مجرد واجب أو قيمة تقليدية؛ إنه اختبار للقدرة على الاحترام الواعي، للحرية الفردية، وللاختيار الأخلاقي ضمن سياق العلاقات الاجتماعية التي تمارس السلطة بشكل خفي لكنها فعال. بهذا الفهم، يتحول برّ الوالدين من طاعة شكلية إلى ممارسة نقدية واعية، تتيح للفرد إدراك دوره ضمن المجتمع دون أن يتحول إلى مجرد أداة امتثالية في شبكة السلطة والانضباط الاجتماعي.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢١ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٥ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

واقعية الثبات والسيولة الرقمية
آراء

واقعية الثبات والسيولة الرقمية

أ.د محمد كريم الساعدي في عالم اليوم، لا يوجد فضاء حاكم بين الواقعي والافتراضي إلا بعملية التكوين الخاص بحدود السلوك والأخلاقيات في المجالات كافة، سواء أكان على المستوى النخبوي أم على المستوى الشعبي. لكن لكل فضاء من الفضائيين حدوده ومتبنياته الفكرية التي تنعكس على بناء الرؤية المرتبطة بتشكيل الفهم…

· 15 د
التحليل السوسيولوجي للمِلْكِيةِ
آراء

التحليل السوسيولوجي للمِلْكِيةِ

بداية أقول: حتى لا أتهم بأني من الذين يؤمنون بالنزعة الاقتصادويّة في تفسير حركة التاريخ المجتمعي, فأنا أومن بالعلاقة الجدليّة بين الواقع والفكر أولاً., وبأن كل مستويات الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة تؤثر ببعضها بعض بعلاقة جدليّة ثانياً, كونها كلها تسير عبر سيرورتها وصيرورتها…

· 5 د
سلطنة الرداءة: كيف تُدار العقول في مقاطعات التجهيل المنظّم؟
آراء

سلطنة الرداءة: كيف تُدار العقول في مقاطعات التجهيل المنظّم؟

لم يعد استيراد وتطبيق مخرجات "حُكم الرداءة وسلطة التوافه" في الشرق الأوسط مظهراً عارضاً من مظاهر الحداثة الزائفة، بل تحوّل إلى واقع هيكلي عميق يُعاد إنتاجه وتغذيته بصورة يومية عبر شتى القنوات المجتمعية. أولا:تسليع الفضاء الإعلامي وصناعة الفرجة الاستهلاكية شهد المجال الإعلامي والتواصلي العربي تحولاً…

· 10 د