انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين يصبح الركن البعيد وطناً للروح

ماجد كارا
ماجد كارا

ناقد وأديب سوري

3 دقائق للقراءة
23 مشاهدة
حين يصبح الركن البعيد وطناً للروح
مشاركة:

لكل إنسان ركنٌ بعيد لا تبلغه الأقدام، بل تسكنه الذاكرة. إنه ذلك الحيز الخفي الذي نلوذ إليه حين يثقل الواقع، فتتجمع فيه بقايا الطفولة، وصور الأحبة، والأحلام المؤجلة، والأسئلة التي لم نعثر لها على جواب. وقد لا يكون هذا الركن مكانًا جغرافيًا، بل حالةً داخلية تحفظ للروح توازنها وسط صخب الحياة، لذلك ظل الفن عبر العصور يبحث عنه، لا ليصوره كما هو، بل ليكشف أثره العميق في النفس الإنسانية.

من هذا الأفق تنطلق لوحة «في الركن البعيد» للدكتور محسن عطية ، المنتمية إلى المدرسة التجريدية التعبيرية، حيث لا يسعى الفنان إلى إعادة إنتاج العالم المرئي، بل إلى بناء عالم داخلي تتداخل فيه الذاكرة مع الوجدان، ويتحول اللون إلى لغة نفسية، والخط إلى أثرٍ للحركة الداخلية. إنها لوحة لا تقدم مشهدًا جاهزًا، وإنما تفتح فضاءً رحبًا للتأويل، فيغدو المتلقي شريكًا في إنتاج المعنى، ويصبح "الركن البعيد" وطنًا روحيًا أكثر منه مكانًا مرئيًا.

تتجلى أولى عناصر القوة في البناء اللوني المتماسك، إذ يقيم الفنان حوارًا ثريًا بين حرارة الأحمر والبرتقالي والذهبي، وبرودة الأزرق والأخضر، في توازن يعكس ازدواجية التجربة الإنسانية بين الانفعال والتأمل. ولا يتحول هذا التضاد إلى صراع، بل إلى إيقاع بصري متوازن، تتولد منه بؤرة ضوئية تشع من أعلى اللوحة، فتقود العين في رحلة لا تعرف السكون، وكأن النور ينبثق من أعماق اللون ذاته، لا من مصدر خارجي.

وتؤدي الخطوط السوداء دورًا يتجاوز حدود البناء التشكيلي، فهي نبض العمل وإيقاعه الداخلي. تتشكل أحيانًا كأطياف إنسانية في طور التشكل، ثم تذوب داخل الفضاء اللوني لتصبح إشارات إلى الحضور الإنساني أكثر من كونها صورًا مباشرة له. وهنا تتجسد إحدى أبرز سمات التجريدية التعبيرية، التي تستبدل الوصف بالإيحاء، وتمنح المتلقي حرية استكمال الصورة اعتمادًا على خبرته الشعورية.

أما السطح التشكيلي فيمثل أحد أبرز مصادر ثراء العمل، إذ تتحرك المادة اللونية بين السيولة والكثافة، وبين الملامس الناعمة والخشنة، لتنشئ طبقات متراكبة تستحضر ذاكرة الزمن والأرض. ولا يقتصر أثر هذه الملامس على إثراء البعد البصري، بل يمنح اللوحة حضورًا حسيًا يجعل المشاهد يشعر بأنه يدخل إلى فضاء العمل، لا يكتفي بالنظر إليه من الخارج.

ويكتسب عنوان اللوحة أهمية استثنائية، لأنه لا يحدد مكانًا بعينه، بل يفتح أفقًا رمزيًا واسعًا. فالركن البعيد هو ذلك الجزء الصامت من الذات الذي تختزن فيه الذكريات، وتحتمي فيه الأحلام، وتتوارى فيه الخيبات والآمال معًا. وبهذا يتحول العنوان إلى مفتاح تأويلي يوجه القراءة نحو العمق النفسي والوجودي للعمل.

كما تنجح اللوحة في تفكيك العلاقة التقليدية بين الإنسان والفضاء المحيط، فلا تعود الأشكال منفصلة عن اللون، بل تمتزج به حتى تتلاشى الحدود بين الكائن وبيئته. يصبح الجسد امتدادًا للون، ويغدو اللون كيانًا حيًا نابضًا بالحركة، في رؤية تؤكد وحدة الإنسان مع العالم، وهي رؤية تنسجم مع جوهر المدرسة التجريدية التعبيرية التي تجعل الإحساس أساس التجربة الفنية.

ومن زاوية نفسية، تلامس اللوحة مناطق اللاوعي، حيث تتردد أشكال شبحية تستحضر صور الأحلام ولحظات الانتقال بين اليقظة والنوم. إنها صور غير مكتملة، لكنها أكثر قدرة على تحريك الوجدان من الصور الواضحة، لأنها تتيح لكل متلقٍ أن يعيد تشكيلها وفق ذاكرته الخاصة وتجربته الإنسانية.

وتكمن القيمة الجمالية الحقيقية للعمل في انفتاحه على قراءات متعددة. فهو لا يقدم معنى مغلقًا ولا يفرض تفسيرًا نهائيًا، بل يبقى نصًا بصريًا حيًا تتجدد دلالاته مع كل مشاهدة، وتكتسب رموزه معاني جديدة كلما تغيرت خبرة المتلقي أو حالته النفسية.

في «في الركن البعيد» يقدم الدكتور محسن عطية تجربة فنية ناضجة تؤكد حضوره المتميز في مسار التجريدية التعبيرية، حيث تتآلف حرية اللون مع صرامة البناء، وتتحد عفوية المادة مع وعي التكوين، لينتج عملًا تتجاوز قيمته حدود الإتقان التقني إلى فضاء فلسفي وإنساني رحب. إنها لوحة تؤكد أن الفن لا يكتفي بتمثيل العالم، بل يعيد خلقه، ليمنح الإنسان ذلك الركن البعيد الذي يعود إليه كلما ضاقت به الحياة، ويجد فيه وطنًا لروحه.

بيانات العمل:

الفنان: الدكتور محسن عطية.

العنوان: في الركن البعيد.

التقنية: أكريليك على خشب رقائقي.

الأبعاد: 25 × 30 سم.

سنة الإنجاز: 2021.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٤ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٢:٥٢ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

فايزة أحمد في الذكرى 43 لرحيلها
فنون

فايزة أحمد في الذكرى 43 لرحيلها

بقلم/ - كاتب ومؤرخ مصري بعد صدور كتابي عن بليغ حمدي في صيف 2018 هممت بتكرار التجربة مع كروان الشرق فايزة أحمد فذهبت إلى رفيق دربها الموسيقار الكبير محمد سلطان في دوحته الأثيرة التي يقطن فيها منذ أن جاء إلى القاهرة من الإسكندرية في مطلع الستينات، وظل يسكن فيها حتى رحيله في نوفمبر 2022، ورحب الرجل…

· 12 د
فن الكاريكاتير: 

حين تخاف السلطة من رسمة على الورق
فنون

فن الكاريكاتير: حين تخاف السلطة من رسمة على الورق

بقلم عبد المجيد عبوبي هناك أشياء كثيرة تستطيع السلطة أن تمنعها: مقالًا، أو كتابًا، أو خطابًا. لكن الصورة الساخرة قد تجد طريقها إلى الناس حتى بعد المنع. الكاريكاتير ليس مجرد فن يضحكنا. إنه فن يضع المجتمع أمام مرآته، ويجعل السياسي يرى نفسه بعيدًا عن لغة الخطب والمجاملات. ولهذا كان الكاريكاتير، منذ…

· 5 د
صراع العزلة والنور في لوحة الفنان سيباستيان  خليل
فنون

صراع العزلة والنور في لوحة الفنان سيباستيان  خليل

لوحة الفنان السوري سيباستيان خليل أورفة لي، التي اخترناها من بين أعماله العديدة، يشدني إليها ما تركته من مشاعر الغموض والوحدة والتحدي التي أسبغها بحروفها اللونية والتكوينية؛ سفينة تائهة في ليل داكن تحت هلال ناري توحي برحلة طويلة ومجهولة، أو صراع صامت بين العزلة وقوة الطبيعة. فقد تكون هذه الرحلة…

· 2 د