لا يبدو نص «لا أحب الطرق الملتوية» منفصلًا عن العالم الشعري الذي أخذت الشاعرة الليبية آية الوشيش تجتهد في بنائه منذ سنوات. شكله العام بسيط ومفتوح دون تعقيدات أو مبالغات، ويقوم هذا النص على بوح متدفق، وجمل قصيرة، وانتقالات تبدو أحيانًا حادة بين الحب والرقص والوجع والكبرياء والحساب. هلا نجده يتكئ على معمار محكم بقدر ما يتقدم بصوت امرأة تعرّف نفسها، وترفض الالتواء، وتحاول أن تجمع شتات نفسها وحياتها في كلمات وتعابير واضحة، حتى عندما تصبح أحيانًا بعض المباشرة عبئًا فنيًا على بعض مقاطعها.
اخترت التوقف أمام هذا النص لأن الشاعرة أعادت نشره حديثًا، مع أنه مكتوب في بنغازي سنة 2019 وضمن ديوانها زيتونة مجعدة. قرأت في إعادة نشره اعتزازًا به، وإشارة إلى أنه ما يزال يمثل جانبًا من تجربتها، أو أن الأسئلة والضغوط التي أنجبته لم تنتهِ. وربما ما يزال واقع 2019، بصراعته ومخاوفه ورقابته الاجتماعية، جاثمًا على الحاضر الواقع الليبي بأشكال مختلفة.
لهذا يبدو لي أن القصيدة واعادة نشرها بمثابة رسالة توجهها آية إلى نفسها أكثر مما توجهها إلى الآخرين، كأنها تذكّر ذاتها بأنها تحب الطريق الواضح، وبأن قلبها يجب أن متجددًا، وأنها تستطيع أن تنعم بالحب والرقص ولا قدرة على مقاومة الفواجع.
ولا تعني العودة إلى النص البحث عن بطولة نسوية جاهزة أو منح كل عبارة قيمة لا تحتملها. الأهم أن نرى كيف يتجاور الصوت الشخصي مع الخوف، وأن كلمات بسيطة، قد تصبح أفعالًا لانتزاع الحق في تسمية الحب والجسد والفرح علنًا دون مواربة أو اعتذار وخاصة في بيئة خانقة تراقب المرأة.
هذه ليست المرة الأولى التي أكتب فيها عن آية الوشيش، ولن تكون الأخيرة. أجدها من الشاعرات الليبيات اللواتي ينبغي أن نعود إلى نصوصهن بقراءات جادة، بعيدًا عن المدح السريع والقوالب الجاهزة التي يمكن وضعها فوق أي نص. لا يكفي أن نصف تجربة بأنها عميقة أو مدهشة أو «وجودية»، فقد أصبحت كلمة «وجودية» مثلاً من الكلمات التى تلصق بكل تجربة صغيرة أو كبيرة في مشهدنا النقدي العربي وسوف نلاحظ أنها تقال حتى عندما يكون النص متواضعًا ولا يطرح سؤالًا عن الوجود.
إن ما تحتاجه آية ليس احتفاءً مجانيًا، ولكن قراءة ترى شجاعتها ومواطن ضعفها معًا، وتفحص لغتها وصورها وتناقضاتها، وتسأل عما يعنيه أن تقول امرأة ليبية: أنا شاعرة، أحب، أرقص، وأحمل جسدًا موشومًا بالضرب والقسمة.

لا أحب الطرق الملتوية،
ولا أجيد دراما
الشعراء،
رغم شاعريتي!
طائر الفينيق،
قلبي لا يموت،
يتجدد!
لذلك لا تروقني
قصص روميو
وجوليت،
مؤمنة
أننا نجيد الحب
كلما استطعنا
إليه سبيله!
على غرار صمتهم،
تمضي بي الأغاني،
فأرقص كسائحة
بشوارع باريس،
على خطوط الوجع
العريضة بقلبي،
وأمضي نحو الطرق
الطويلة المستقيمة،
الموحشة الواضحة
في ظلامها،
بدمعة،
وشمعة،
وسلام الأنبياء.
الحياة
عطاء
في أبجديتي!
أقاوم بكامل
الكبرياء،
كعزيز نفس
لا ينحني إلا
لالتقاط الأنفاس،
لذلك لا أستسلم
إلا أمام العيون
السوداء الجميلة،
والابتسامات
الدافئة
للطفولة،
والوجوه التي
تجيد الضحك!
رغم كل هذه
الكآبة الدنيوية،
لا أحب الطرق
الملتوية!
أنا ابنة المستقيم.
جداول المنوال
لا تعنيني
بقدر المدى
في اختيار
الوسط،
وما شابه من
الوسيط.
عذراء الاحتمالات،
كلها هنا في حياتي.
عمر قيد
المفاجآت،
فلا تزعجني الفواجع!
حيث الفرح تجدني،
حيث المرح تجدني،
حيث الدفء تجدني،
حيث الجمال تجدني،
حيث الوداد تجدني،
وإذا كانت
جثتي
مسمومة
وموشومة
بالطرح،
والضرب،
والقسمة!
آية الوشيش ـ ليبيا
بنغازي 2019م
ديوان زيتونة مجعدة
البنية الشعرية: أنفاس امرأة تريد قول نفسها
يتحرك هذا النص في مقاطع قصيرة متلاحقة وتبدو المرأة مستعجلة على قول نفسها، وتخشى أن يقاطعها صوت ما. تبدأ برفض الطرق الملتوية، ثم تعود إلى العبارة في النهاية. خلال هذه الرحلة يظهر الحب والرقص والوجع والكبرياء والطفولة والحساب. تتنقل القصيدة من طائر الفينيق إلى روميو وجولييت، ومن باريس إلى سلام الأنبياء، ثم تدخل فجأة في جداول المنوال والمدى والوسيط.
تتباعد هذه المشاهد ولا يجمعها بناء محكم. شيء من الاضطراب يظل حاضرًا، لكنه يمنحنا حرارة الاعتراف. آية جمعت ما تستطيع من حياتها في نص واحد، وقد يكون تشتته قريبًا من تشتت الداخل الذي تحاول الإمساك به.
تصل القصيدة إلى لحظة ناضجة عندما تقول إن عزيز النفس «لا ينحني إلا لالتقاط الأنفاس». التعب يظهر حاضرًا ولكن الكبرياء لم تسقط. وقد تسمح المرأة لنفسها أن تعترب بتعبها وبالتوقف قليلًا ثم تواصل الطريق. تتسلل إليها العيون السوداء وابتسامات الطفولة والوجوه الضاحكة، فنعرف أن صلابتها تحتفظ بمساحة للجمال.
كان يمكن أن يكون إيقاع النص أكثر تماسكًا، فبعض الكلمات المعزولة في أسطر لا تكسب طاقة جديدة من هذا العزل، وعلامات التعجب ترفع النبرة أكثر مما تحتاجه. مع ذلك يصل صوت آية واضحًا، وربما يسبق أحيانًا عنايتها بشكل القصيدة.
التصريح والمراوغة والمباشرة
تقول آية: «ولا أجيد دراما الشعراء، رغم شاعريتي». كمن يعلن شاعريته بثقة وهي هنا تسخر من صورة الشاعر الذي يحول ألمه إلى عرض جماهري طويل. سبق أن كتبت عن بعض نصوصها ولمست أنها شاعرة تراقب نفسها والوسط الذي تنتمي إليه. تكتب في مسودة الهاتف، وتترك أخطاءها وارتباكها ظاهرين. الكتابة تساعدها على تفادي جنون الواقع العنيف والذي قد لا يغفر ولو زلة لسان صغيرة.
لا تخفي آية قيمة وقداسة الحب ولا رغبتها في الرقص. لهذا يكتسب صوتها جرأة خاصة داخل مجتمع قد يربط كل جملة تكتبها المرأة بحياتها وسمعتها ومع ذلك، تدفعها هذه الصراحة أحيانًا إلى جمل مكتملة لا تترك للقارئ شيئًا يكتشفه.
طائر الفينيق يؤدي معناه المعروف، والقلب يتجدد كما تجدد في قصائد كثيرة. وعبارة «الحياة عطاء في أبجديتي» تأتي قريبة من الحكم المتداولة.
لا تفقد هذه العبارات صدقها ولكنها لا تبلغ قوة الصور التي وجدت فيها آية طريقها الخاص. حين تخبئ العنف في عمليات الحساب، أو تجعل الانحناء استراحة لالتقاط الأنفاس، يخف الشرح ويتسع النص. ونقول مثل هذه الملاحظات حتى وإن ظهرت قاسية كوننا نأمل أن تواصل شاعرتنا آية السير في هذه فضاء الإبداع، وتبتعد عن الجملة التي تقول معناها كاملًا. ونجد أن صوتها يملك ما يكفي من الخصوصية، ولا يحتاج إلى عبارات ربما سبق وأن عبرت قصائد كثيرة قبله.

الحلم يفتح باب الواقع
تظهر باريس فجأة. الأغاني تمضي بالشاعرة، فترقص كسائحة في شوارع المدينة فوق خطوط الوجع العريضة في قلبها. باريس تمر سريعًا ولا نعرف إن كانت رحلة حدثت أو حلمًا صنعته المرأة لتجد شارعًا يسمح لجسدها بالحركة. كلمة «سائحة» تمنحها حرية لكنها تظل مؤقتة، نفهم من ذلك أنها سوف تعبر المكان ثم تغادره، وربما تعود إلى واقع لم يتغير.
في قصيدة «متناقضة» نجد امرأة ترقص أمام المرآة وتخشى أن تراها الجارة. الرقص محبوس في غرفة، والمرآة جمهور رقصها الوحيد. أما في هذا النص فقد خرج إلى الشارع، ولو عبر الخيال. ظلت بنغازي قريبة؛ وكأن خطوط الوجع تسافر مع الجسد، والمدينة البعيدة لا تمحوها.
ترفض آية قصص روميو وجولييت، ثم تقول: «إننا نجيد الحب كلما استطعنا إليه سبيلًا». لا تريد قصة يكتمل جمالها بموت العاشقين ونهاية تراجيدية. تبحث عن حب يمكن أن يُعاش. وعبارتها تحمل اعترافًا هادئًا بأن الحب ليس المشكلة ولكن المشكلة الأكثر تعقيدًا كيفية الوصول إليه. إن ثيمة الحرب ليست غائبة لكن بدون تصريح مباشر وفي نفس هذا الديون انفقد عبرت عن خوفها من العنف الذي يبتلع الحب، وعن العائلة التي قد تغلق الطريق، وحتى الجارة قد تتلصص، وهكذا فالمجتمع والواقع يبني جدران فاصلة وشائكة فلا يبقى للعاشقين سوى سماعة الهاتف.
نصل إلى نقطة مهمة فالحلم في شعر آية لا يغطي الواقع ولا يمحوه. الشيء الهام أنه مايزال له القدرة على أن يفتح ولو نافذة صغيرة، ومن خلال هذه النافذة نرى مقدار الضيق الذي تعيشه المرأة.
مواساة الذات والجثة الموشومة
أقرأ في هذا النص أشبه برسالة تعيدها آية إلى نفسها. تقول لها: لا تسلكي الطرق الملتوية، لا تدعي قلبك يموت، ابحثي عن الفرح حيث وجد، وارقصي حتى فوق الوجع. تكرر الفرح والمرح والدفء والجمال والوداد، وهنا تبدو هذه الكلمات مثل أشياء تجمعها في ساعات الخوف كي تواصل العيش.
لم آية تدعي أنها امرأة لا تتعب، لكنها تنحني لالتقاط الأنفاس، ثم تقف من جديد. هذه الصورة من أجمل ما جاء في النص؛ المشهد تصويري بسيط وقريب من الجسد ولا يحتاج إلى تفسير طويل مع ذلك فدلاته عميقة ومن خلاله كأننا نرى الوجه وملامحة ثم الإنحناء والذي قد يحجب الوجه ثم الوقوف فنشعر بهذه القوة الداخلية.
عندما نصل إلى قرب نهاية النص فإننا سنلمس حدوث تغير في كل شيء. فالجسد الذي رقص في باريس يظهر جثة «مسمومة وموشومة بالطرح والضرب والقسمة». وقبل الوصول إلى هذا المشهد تمر القصيدة بمصطلحات المنوال والمدى والوسط والوسيط. تبدو علاقتها مضطربة، وأهمية هذه النهاية أنها تترك أثرًا لا تمحوه ملاحظاتنا السابقة على النص.
الطرح والضرب والقسمة تترك الذات موزعة على جهات كثيرة. أما الجمع فلا يظهر، فربما لم تجد المرأة في حياتها ما يجمع الأجزاء التي بعثرتها الخيبات والخوف. وبعد كل حديثها عن الحياة، تختار كلمة «جثتي» والتي تحولت إلى دلالة عميقة، فنحن نرى جسدًا قد مات، وشيء آخر ما يزال يكتب ويحاول إنقاذه.
تجربة آية والنقد الذي لم يدخل بعيدًا
كتبت آية «لا أحب الطرق الملتوية» في بنغازي سنة 2019، ثم أعادت نشره حديثًا. وكما سبق وأن اشرت حيت تبدو عودتها إليه علامة اعتزاز، وربما وجدت أن المسافة التي قطعتها ليبيا منذ ذلك الوقت لم تُخرج القصيدة من حاضرها. ما زالت المرأة تحتاج إلى تذكير نفسها بحقها في الحب والرقص وقول «أنا شاعرة». وما زالت المحظورات تتكاثر حول الجسد والصوت والإبداع.
تناولت بعض القراءات تجربة آية من خلال القلق والأمل والخذلان. رأى عبدالباسط أبوبكر قصائد تركض خلف التفاصيل ويغذيها قلق البلاد. وتابعت «بوابة الوسط» حركة الأمل والخذلان داخل الديوان. كتب مفتاح الشاعري عن «أحب رجلًا»، لكنه قدم كلامًا عامًا عن الشعر و«القصيدة الأنثى»، ثم ترك النص من غير أن يسأل عن المرأة التي تبدأ شاعرة وتنتهي قصيدة يصنعها رجل يكتب أفضل منها. بقي الجسد بعيدًا عن هذه القراءات، وغابت عين الجارة والرقص السري وسلطة المجتمع على الحب.
فاتني أيضًا في مقالتي السابقة أن أتوقف طويلًا أمام هذا الجسد. اهتممت بالحلم والحرب والتناقض والكتابة التي تتفادى الجنون. أراه الآن يرقص، ويحب، وينحني من التعب، ثم يصل إلينا جثة تحمل آثار الضرب والقسمة.
أخبرتني آية في حوار بيننا أنها تعمل على تطوير إمكاناتها في الألمانية والتركية والإنجليزية، وهذا يؤكد بأن تجربتها تتحرك، وقد تحمل نصوصها المقبلة لغة ورؤية مختلفتين. هذه القراءة تخص قصيدة أعادتها هي إلى الحاضر، ولا تجعلها حكمًا على كل ما كتبت أو ستكتب.
الناقد لا يضع للمبدع طريقًا ولا يلقنه طريقة الكتابة. النقد يقرأ ما ظهر، ويحاول الاقتراب مما اختبأ في اللغة. ويجب أن نقرأ بداع آية بمحبة تصغي إلى شجاعتها، ولا تتخلى عن السؤال.
خاتمة
حاولت هذه القراءة أن تكشف عن قوة آية الوشيش والتي تبدأ من حضور ذاتها في النص. تقول ما ترفضه، وما تريده وتصرح بحلمها، وترى نفسها امرأة وإنسانة تبحث عن الحب والفرح والسلام وسط واقع يثقل الروح ويضيّق فضاء الاختيار. إن صوتها واضح وشجاع، ويستحق التشجيع، مع حاجته إلى الابتعاد قدر الإمكان عن المباشرة والصيغ المألوفة، وترك الصورة تحمل المعنى من دون أن تشرحه كاملًا.
لا نطالب المبدعة في بلد منكوب بالحروب والصراعات وإرث الاستبداد أن تخوض ما قد يؤذيها، ولا نقيس شجاعتها بمقدار الصدام الظاهر. يكفي أحيانًا أن تقول المرأة «أنا»، وأن تعلن شاعريتها، وترقص في اللغة، وتمنح جسدها ووجعها حق الظهور. وقد فعلت آية ذلك بطريقتها.
يبقى أجمل ما في تجربتها أنها لا تتخفى خلف صوت مستعار. فهي تبحث عن سلام لذاتها وروحها ومجتمعها، وتكتب كي تحمي الجزء الحي فيها. ننتظر أن تمنح هذا الصوت مساحات أعمق، وأن تثق أكثر بصورها الخاصة؛ فحين تخف المباشرة وتتراجع العبارات الجاهزة، يظهر عالمها الشعري أكثر صفاء وخصوصية وتأثيرًا.







التعليقات