انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أنور عبد العزيز… حارس الحكاية وذاكرة الموصل السردية

محمد علي محيي الدين
محمد علي محيي الدين

كاتب وباحث عراقي

4 دقائق للقراءة
22 مشاهدة
أنور عبد العزيز… حارس الحكاية وذاكرة الموصل السردية
مشاركة:

في الموصل، المدينة التي عرفت عبر تاريخها بأنها موئل العلماء والأدباء والرواة، وُلد القاص والناقد أنور عبد العزيز في السادس من أيار عام 1935، ليكبر بين أزقتها القديمة وروائح الكتب وأحاديث الناس البسطاء، فتتشكل في داخله باكراً تلك الحساسية الإنسانية التي سترافقه لاحقاً في مشروعه القصصي والنقدي الطويل. كان ابن مدينةٍ تعرف كيف تحفظ الذاكرة، ولذلك ظلّ طوال حياته منشغلاً بتدوين تفاصيل الإنسان العراقي وهمومه الصغيرة والكبيرة، حتى غدا واحداً من أبرز الأصوات السردية والنقدية في العراق.

أكمل دراسته الثانوية في الإعدادية الشرقية بالموصل عام 1957، ثم انتقل إلى بغداد ليلتحق بدار المعلمين العالية ـ كلية التربية بجامعة بغداد، قسم اللغة العربية، ليتخرج عام 1961. وهناك، بين بغداد والموصل، اتسعت رؤيته الثقافية، وبدأ يقترب أكثر من عالم الأدب والنقد والفكر، مدفوعاً بشغفٍ عميق بالكلمة المكتوبة وإيمانٍ بأن الأدب ليس ترفاً، بل ضرورة إنسانية لفهم الحياة.

أنور عبد العزيز… حارس الحكاية وذاكرة الموصل السردية

بدأت رحلته مع النشر مبكراً، حين ظهرت أولى مقالاته بعنوان “من وحي العيد” في جريدة “فتى العراق” الموصلية عام 1955، ثم نشر أول قصة قصيرة له بعنوان “شروق” عام 1958 في الجريدة نفسها، لتبدأ بعدها مسيرة طويلة من الكتابة لم تنقطع حتى اليوم. وقد ظلّ وفيّاً لفن القصة القصيرة، ذلك الفن الذي رآه فناً بالغ الصعوبة، يحتاج إلى تركيزٍ شديد وقدرة على تكثيف الحياة كلها في صفحات قليلة نابضة بالحركة والدهشة.

وعلى مدى عقود، تنقّل أنور عبد العزيز بين القصة والنقد والمقالة الثقافية، فنشر أكثر من ألف مقالة تناولت القصة والرواية والشعر وأدب الأطفال والمسرح والفنون التشكيلية والتراث الشعبي، ولم يحصر اهتمامه بأدباء الموصل وحدهم، بل انفتح على المشهد الثقافي العراقي والعربي بأكمله، قارئاً وناقداً ومتابعاً لما يصدر من كتب وما يُنشر في الصحف والمجلات.

أما في القصة القصيرة، فقد أصدر عدداً من المجموعات التي شكلت علامات بارزة في تجربته السردية، من بينها “الوجه الضائع” الصادرة في الموصل عام 1976، ثم “طائر الجنون” و”النهر والذاكرة” عام 1993، و”طائر الماء”، و”جدار الغزلان”، و”ضوء العشب”، و”مقاعد حجرية”، وصولاً إلى “حلم البلبل” التي صدرت لمناسبة اختيار بغداد عاصمةً للثقافة العربية عام 2013. وفي هذه الأعمال كلها بدا منشغلاً بالإنسان العراقي في تحوّلاته، بالذاكرة، بالفقد، وبالهواجس التي تتركها الحياة في الروح.

امتازت قصصه بلغة شفافة وإيقاع هادئ وقدرة على التقاط التفاصيل اليومية الصغيرة وتحويلها إلى مشاهد ذات دلالات إنسانية عميقة. ولذلك حظيت أعماله باهتمام النقاد والباحثين، وكتبت عنها دراسات عديدة داخل العراق وخارجه، كما تُرجمت بعض قصصه إلى لغات أجنبية، في دلالة على عالمية التجربة الإنسانية التي حملتها نصوصه.

ولم يكن دوره الثقافي منفصلاً عن دوره التربوي؛ فمنذ تخرجه عمل مدرساً للغة العربية في مدارس الموصل ومدن عراقية أخرى، قبل أن يتدرج في المناصب التربوية حتى أصبح مديراً للإعداد والتدريب في تربية نينوى، ثم أُحيل إلى التقاعد عام 1998 بدرجة مدير عام. وقد عُرف في الوسط التربوي والثقافي بدماثة أخلاقه وحيويته وحرصه الدائم على دعم الأجيال الجديدة من الكتّاب والمثقفين.

كما شارك على مدى أكثر من نصف قرن في عشرات المؤتمرات والمهرجانات والندوات الثقافية والتربوية، وكان من بين أجمل ذكرياته مشاركته في مهرجان أبي تمام الألفي الذي أقيم في الموصل مطلع السبعينيات، ذلك المهرجان الذي تحوّل إلى حدث ثقافي عربي كبير احتفت به المدينة وأهله بحفاوةٍ لا تُنسى.

وعُرف أنور عبد العزيز أيضاً بآرائه النقدية العميقة والمتوازنة، فقد كان يرى أن الإبداع لا يخضع لمقاييس جامدة تتعلق بسهولة هذا الجنس الأدبي أو صعوبته، بل إن قيمة العمل الأدبي تتحدد بقدرته على التأثير وإقناع القارئ. وكان يؤمن بأن القصة القصيرة فن مكثف وشديد الحساسية، يحتاج إلى اقتصاد لغوي وإحكام فني عالٍ، فيما كان ينظر إلى مسألة “الأجيال الأدبية” بحذر، رافضاً فكرة القطيعة التامة مع الماضي، ومؤكداً أن كل مبدع هو امتداد لتجارب سابقة، مهما حاول أن يبدو متفرداً أو معاصراً.

لقد عاش أنور عبد العزيز للأدب والناس معاً، فكان قريباً من الجميع، محباً، متسامحاً، كريم النفس، يحمل روحاً نقية لا تعرف الحقد أو التعالي. ولذلك بقي حضوره الإنساني موازياً لحضوره الثقافي، حتى صار اسمه مرتبطاً في ذاكرة الموصل بصورة المثقف الهادئ الذي يعمل بصمت، بعيداً عن الضجيج، مؤمناً بأن الكلمة الصادقة وحدها هي التي تبقى.

وهكذا ظلّ أنور عبد العزيز، عبر عقود طويلة، واحداً من حرّاس السرد العراقي وذاكرته الحيّة، يكتب الحياة كما عاشها الناس، ويمنح القصة العراقية شيئاً من دفء الموصل وعمقها الإنساني وهدوءها العريق.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٩ آب ٢٠٢٦ في ١٠:١٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مصنع السحاب
قراءات

مصنع السحاب

مصنع السحاب قراءة في رواية مصنع السحاب للكاتب حامد عبد الصمد نشوان عزيز عمانوئيل حامد عبد الصمد كاتب يميل إلى الاقتراب من الأسئلة الشائكة التي غالبًا ما يتجنبها الخطاب المألوف، ويمنح في كتابته مساحة واسعة للتفكير في الإنسان، وحريته، وخوفه، وعلاقته بالموت والمعنى. وفي «مصنع السحاب» يذهب بهذا…

· 6 د
مديح الصادق...

 الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا
قراءات

مديح الصادق... الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا

في تلك الليلة، لم تكن بغداد نائمة، بل كانت تتظاهر بالنوم. المدينة التي أتقنت، عبر قرون طويلة، فن إغلاق عينيها مع إبقاء أذن واحدة مفتوحة ناحية قصر الوالي، كانت تسمع وقع أقدام رجل يدور في غرفة واسعة، جيئة وذهابًا، كأن الأرض تحت قدميه أصغر من أن تتسع لعطشه. كان اسمه مشحوت، وكان عبدًا، لكن العبودية لم…

· 8 د
حين يقرأ البحرُ قارئَه:

ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين
قراءات

حين يقرأ البحرُ قارئَه: ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين

إسماعيل نوري الربيعي ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من…

· 9 د