تقول الحكاية، ولا أعرف إن كانت الحكايات مطالبة بأن تقول الحقيقة كلها، إن طفلًا خرج ذات صباح من قرية الدير في البحرين وهو يحمل في جيبه حجرًا صغيرًا التقطه من الطريق، ولم يكن يعرف أن الحجر سيكبر معه حتى يصير سؤالًا، وأن الطريق سيغدو كتابًا، وأن القرية التي حسب أنه يغادرها لن تغادره أبدًا، بل ستختبئ في ثنيات اللغة وتطلّ عليه بعد عقود من نافذة الذاكرة. كان اسم الطفل نادر كاظم، وكان يمكن لحياته أن تمضي مثل آلاف الحيوات: مدرسة، جامعة، شهادة، وظيفة، بيت، أعوام تتوالى ثم صورة في سجل العابرين؛ لكن شيئًا ما حدث في الطريق. لعل الأشياء نادته. لعل المقبرة همست له. لعل الشارع، ذلك الكائن الذي ندوسه بأقدامنا كل يوم من دون أن نسأله ماذا رأى، أمسك بطرف ثوبه وقال له: لا تذهب بعيدًا، فأنا أيضًا تاريخ. ولعل المرآة نفسها قالت له إن الإنسان لا يرى وجهه فيها، بل يرى تاريخ الوجوه التي علّمته كيف ينظر إلى وجهه. ومنذ تلك اللحظة الخيالية صار نادر كاظم، في قراءتي له، رجلًا مشغولًا بالمخفي أكثر من الظاهر، وبالهامش أكثر من المركز، وبالأثر الذي تتركه الأشياء بعد أن يغادرها أصحابها. ولد سنة 1973 في الدير، ودرس العربية وآدابها ثم النقد الحديث، قبل أن يحصل على الدكتوراه في الأدب العربي ويعمل في الدراسات الثقافية؛ غير أن هذه الوقائع، على ضرورتها، لا تفسر الرحلة، لأن الشهادات تقول أين درس الإنسان، ولا تقول أين حدث له ذلك الزلزال السري الذي جعله يرى العالم على غير ما يراه الآخرون. إن الحكاية الأعمق تبدأ حين اكتشف أن الثقافة ليست رفوف كتب، وإنما مملكة خفية تتحكم في نظرتنا إلى الآخر، وفي خوفنا منه، وفي ذاكرتنا عنه، وفي القصص التي نرويها كي نبرر محبتنا وكراهيتنا. عندئذ لم يعد النقد عنده شرطيًا يقف أمام القصيدة يسألها عن بلاغتها، بل صار حفّارًا ينزل تحت الكلمات باحثًا عن الأنفاق التي تصل اللغة بالسلطة، والهوية بالخوف، والذاكرة بالصراع. ومن هنا يبدو انتقاله من المقامات والتلقي إلى تمثيلات الآخر ثم الهوية والسرد وطبائع الاستملاك انتقالًا يشبه خروج البحّار من الخليج الصغير إلى بحر مفتوح: كلما تقدم قليلًا اكتشف أن اليابسة التي كان يظنها ثابتة ليست سوى جزيرة أخرى في أرخبيل هائل من المعاني.

الساحر الذي كسر المرآة كي يرينا وجوهنا
كان في المدينة، بحسب الحكاية، قصر عجيب فيه مرآة لا يرى الناس فيها وجوههم، بل يرون الصورة التي صنعتها الجماعة لهم. يدخل الرجل فيرى طائفته، وتدخل المرأة فترى الأدوار التي كُتبت لها، ويدخل الغريب فيرى التهمة التي سبقته، ويدخل المثقف فيرى تمثالًا صغيرًا لنفسه فيبتسم راضيًا. وظلت المرآة تعمل قرونًا حتى جاء نادر كاظم بمطرقته النقدية وضربها. لم تتحطم المرآة تمامًا؛ تشققت فقط، وكانت تلك الشقوق كافية لكي يبدأ السؤال. في كل شظية ظهر «آخر» مختلف، وفي كل كسر ظهرت يد خفية كانت تصنع الصور ثم تقنعنا بأنها الطبيعة نفسها. هنا تكمن فرادة مشروعه: لم يتعامل مع الهوية باعتبارها بطاقة تعريف، بل بوصفها سرديةً تتحرك وتقاتل وتتذكر وتنسى وتختار من الماضي ما تحتاج إليه في الحاضر. ولم يتعامل مع الآخر باعتباره شخصًا يقف خارج الباب، بل باعتباره صورة نصنعها داخل رؤوسنا قبل أن نلتقي بصاحبها. ولذلك كانت تمثيلات الآخر والهوية والسرد وطبائع الاستملاك محطات في سؤال واحد يتبدل قناعه ولا يغير جوهره: من يصنع الصورة التي نرى بها أنفسنا والآخرين؟ ومن هنا أيضًا نفهم لماذا لم يكن انتقاله إلى الدراسات الثقافية مجرد تغيير في الاختصاص، بل توسيعًا لميدان المعركة؛ فالنص لم يعد قصيدة أو رواية وحسب، وإنما صار الشارع نصًا، والطقس نصًا، والذاكرة نصًا، والكراهية نصًا، وحتى الصمت يمكن أن يصبح وثيقة ثقافية إذا عرف الناقد كيف يستنطقه. والمثير أن نادر كاظم لا يدخل هذه المناطق حاملًا يقين المبشر الذي جاء ليهدي الآخرين إلى الحقيقة؛ بل يدخلها بشك الحفار الذي يخشى أن تكون الأداة التي يحفر بها جزءًا من الطبقة التي يريد كشفها. تلك، في ظني، واحدة من أجمل خصاله النقدية: أنه لا يقف خارج الثقافة متعاليًا عليها، لأن لا أحد يستطيع أن يقف خارج اللغة والذاكرة والتاريخ تمامًا. نحن ننتقد الأقفاص من داخل أقفاص أخرى، ونفضح الأساطير بأدوات صنعتها أساطير سابقة، ونحاول تحرير الهوية باللغة نفسها التي استخدمتها الهوية لبناء أسوارها. ولذلك يصبح النقد عنده أقل شبهًا بالمحكمة وأكثر شبهًا بغرفة المرايا: تدخل إليها واثقًا من وجهك، ثم تخرج مترددًا في عدد الوجوه التي تسكنك. وقد يكون هذا أعظم ما يستطيع الناقد فعله؛ ليس أن يعطي قارئه جوابًا، بل أن يفسد عليه راحة الجواب القديم.

في الليلة التي خرجت فيها الكراهية من القفص
ثم جاءت ليلة أخرى في الحكاية. نامت المدينة، لكن شيئًا أسود خرج من البيوت. لم يكن وحشًا له أنياب، بل كلمات صغيرة جدًا: «نحن»، «هم»، «الأصل»، «الدخيل»، «الخائن»، «الطائفة»، «الجماعة». كانت الكلمات تمشي في الأزقة، وكلما التصقت بكلمة أخرى أنجبت سياجًا، وكلما طال السياج تحوّل إلى جدار، وكلما ارتفع الجدار نسي الواقفون على جانبيه أنهم كانوا يومًا قادرين على رؤية بعضهم. استيقظ نادر كاظم، فوجد المدينة ممتلئة بأسوار لا تظهر في الخرائط. عندئذ كتب عن الخروج من الجماعة وعن الكراهيات المنفلتة، وكأنه لم يكن يصف انفعالًا نفسيًا عابرًا، بل كان يطارد مصنعًا اجتماعيًا كاملًا ينتج الكراهية ثم يوزعها على الناس في عبوات تحمل أسماء مقدسة. وبين خارج الجماعة وكراهيات منفلتة ثم لماذا نكره؟ أو كراهيات منفلتة مرة أخرى تتضح حساسية فكرية جعلت سؤال التعايش عنده أعمق من المواعظ الطيبة؛ فالكراهية لا تنهزم بأن نطلب من الناس أن يحب بعضهم بعضًا، لأنها كثيرًا ما تكون بناءً للذاكرة والهوية والمصلحة والخوف، أي إنها تمتلك تاريخًا ومؤسسات ولغة. ولهذا تبدو كتاباته المناهضة للطائفية امتدادًا طبيعيًا لهذا المشروع، وقد أشير إلى هذا البعد في الاحتفاء بإسهامه الثقافي في البحرين. لكن البطولة الحقيقية في هذه الحكاية ليست أن يهزم الناقد الوحش؛ فالنقاد لا يقتلون وحوش التاريخ بهذه السهولة، والكراهية أكثر دهاء من أن تموت في كتاب. البطولة أن يكشف القناع الذي ترتديه. أن يقول لنا إن الوحش لا يأتي دائمًا من الخارج؛ قد يجلس معنا إلى المائدة، ويتحدث بلهجتنا، ويحفظ أناشيد طفولتنا، وربما يسكن فينا ونحن نظن أننا نقاومه. وهنا يصبح نادر كاظم مزعجًا بالمعنى النبيل للكلمة، لأن الناقد الثقافي الحقيقي ليس موظفًا في وزارة الطمأنينة. وظيفته أن يوقظ السؤال في المكان الذي نام فيه اليقين طويلًا. وحين يقول الإنسان «أنا»، يأتي الناقد ليسأل: كم شخصًا شارك في صناعة هذه الأنا؟ وحين تقول جماعة «هذه ذاكرتنا»، يسأل: ماذا نسيتم كي تصبح هذه ذاكرتكم؟ وحين يصرخ أحدهم «هؤلاء مختلفون عنا»، يفتش الناقد في أرشيف الخوف ليرى متى بدأ الاختلاف يتحول إلى تهمة. هكذا يغدو النقد مقاومةً هادئة للاستبداد الذي تمارسه الكلمات حين تتنكر في هيئة حقائق.

حين نام البشر واستيقظت الأشياء
لكن الحكاية لم تنته عند البشر. ففي آخر الليل حدث أغرب شيء: استيقظت الأشياء. نهض الشارع من مكانه، ومسحت المقبرة الغبار عن أسمائها، وخرجت البيوت القديمة من الصور، وتقدمت المدينة إلى مكتب الكاتب وقالت له: لقد كتبت طويلًا عن البشر، والآن جاء دورنا. نحن أيضًا نتذكر. نحن أيضًا شهدنا. نحن نحمل آثار الذين مروا فوقنا ثم اختفوا. عندها، في المجاز الذي يليق بمساره، كتب نادر كاظم لا أحد ينام في المنامة: التاريخ والمكان والإنسان، ثم ذهب أبعد في تاريخ الأشياء: عن الشارع والمقبرة وأشياء أخرى؛ وكأن مشروعه بلغ اللحظة التي لم يعد الإنسان فيها سيد الحكاية الوحيد، وصارت الأمكنة والأشياء مخازن للذاكرة لا تقل فصاحة عن الوثائق. وهنا تحديدًا يبدو لي نادر كاظم أكثر إثارة: ذلك الصبي الذي خرج من الدير حاملًا حجرًا متخيلًا في جيبه يعود بعد سنوات ليقول لنا إن الحجر نفسه ربما كان يحملنا في ذاكرته. إن تاريخ المدن لا يوجد فقط في قصور حكامها ولا في دفاتر مؤرخيها، بل في رصيف أكلته الأقدام، وفي مقبرة تغيرت أسماء شوارعها، وفي بيت هُدم وبقيت صورته في ذاكرة امرأة عجوز، وفي سوق انتقلت منه التجارة وبقيت فيه رائحة الأزمنة. وإذا كان المؤرخ التقليدي يسأل: ماذا حدث؟ فإن الناقد الثقافي يسأل سؤالًا أكثر غرابة: ماذا فعل ما حدث بطريقة رؤيتنا لما حدث؟ وهنا يتحول الماضي من مقبرة للوقائع إلى كائن يتنفس داخل الحاضر. وربما لهذا لا ينام أحد في المنامة حقًا؛ لأن المدن لا تنام ما دامت طبقاتها القديمة تتحرك تحت الإسفلت، وما دام الموتى يشاركون الأحياء أسماء الأمكنة، وما دامت الأشياء تحتفظ بأصابع من لم يعودوا موجودين.
وفي نهاية الحكاية يعود الرجل إلى البحر. لا منتصرًا ولا مهزومًا. يقف أمام الماء، فيما تسير خلفه كتبه مثل شخصيات خرجت من مكتبة مسحورة: تمثيلات الآخر تحمل مرآة مكسورة، والهوية والسرد تحمل صندوقًا مليئًا بالحكايات، واستعمالات الذاكرة تجر وراءها أرشيفًا لا ينتهي، وخارج الجماعة يقف وحيدًا خارج السور، وكراهيات منفلتة تحمل قفصًا فارغًا لأن الوحش هرب منه، ولا أحد ينام في المنامة تمشي وفي يدها مصباح، بينما يأتي تاريخ الأشياء أخيرًا ومعه شارع ومقبرة وحجر صغير. يسأل البحر الرجل: ماذا فعلت كل هذه السنوات؟ فلا يقول: كتبت كتبًا. ولا يقول: أصبحت أستاذًا. ولا يقول: درست النقد والثقافة. ينظر إلى الماء طويلًا ثم يقول، في خاتمة أتخيلها ولا أنسبها إليه: حاولت أن أجعل الأشياء التي اعتدناها غريبة بما يكفي لكي نراها من جديد. عندئذ يفهم البحر، وتفهم المدينة، ونفهم نحن أن قيمة نادر كاظم لا تكمن في عدد الكتب التي وضعها، بل في تلك المسافة الصغيرة والخطيرة التي فتحها بين الإنسان ويقينه. ففي تلك المسافة يولد السؤال، ومن السؤال يولد النقد، ومن النقد تبدأ الحرية الممكنة. وربما كان هذا هو المعنى الأعمق للناقد الثقافي: رجل لا يمنحنا عيونًا جديدة، بل يمسح عن عيوننا غبار الألفة. يجعلنا نشك في براءة الكلمات، وفي حياد الذاكرة، وفي صلابة الهوية، وفي موت الأشياء. وبعد أن نقرأه قد يبقى الشارع هو الشارع، والمقبرة هي المقبرة، والمدينة هي المدينة؛ لكننا نحن لا نبقى الأشخاص أنفسهم. وتلك، وحدها، معجزة كافية لكاتب.








التعليقات