انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

اليأس في نصوص (مطر يابس) المسرحية

أحمد طه حاجو
أحمد طه حاجو

كاتب وأديب عراقي

9 دقائق للقراءة
10 مشاهدة
اليأس في نصوص (مطر يابس) المسرحية
مشاركة:

عد النص المسرحي اللبنة الأساس التي يشيد عليها العرض المسرحي ، وبرغم ان مرحلة ما بعد الحداثة قد استغنت عن النص وتم الاعتماد على الارتجال ، أو ترك الحرية للمخرج المسرحي ان يؤلف العرض ، عندها راح المخرجين يتبارون في تأسيس اساليبهم الاخراجية وفق رؤاهم ، فمنهم من اخذ فكرة او جملة من نص عالمي كأن يكون ( لشكسبير او ابسن او تشيخوف ، ... إلخ .)  وراح يؤسس عليها عرضاً بأكمله ، لكن يبقى ان هناك حواراً مسموعاً وما دام هناك ذلك الحوار المسموع على خشبة المسرح ، فهذا يدلل على ان هناك نصاً مسرحياً ، فالنص المسرح هو روح العرض وحامل لرسالة المؤلف والتي سيتوائم ويتفاعل معها بعلاقة كيميائية ذلك المخرج دون غيره ، لينتج حياة مسرحية هادفة .

ان مجموعة النصوص المسرحية ( مطر يابس ) للكاتب المسرحي ( جاسم المنصوري ) هي المجموعة الثانية بعد مجوعته الأولى ( بزازين ) ، وقد احتوت على ثمانية نصوص مسرحية .

اذ يتمحور النص الاول والذي حمل عنوان ( قربان ) الظلم بأبعاده الروحية والبايلوجية ، أذ يتجسّد حواراً فلسفيا ً بين ( قابيل وهابيل ) يناقش عدداً من القيم منها الحسد الذي يعد مأساة العصر فهو اساس كل ما يمر به العالم من وضاعة وتراجع على كافة الأصعدة ، ورمزية هذا النص تكمن في اختيار رمزا الظلم منذ فجر التاريخ ( قابيل وهابيل ) وقصتهما المعروفة ، إلا ان تلك القصة ما زالت تتكرر بصور متعددة ، فالقتل المجاني مستمر بصور واشكال متعددة واصناف متطورة ايضاً ، فتارةً ( وباء ) وتارةً اخرى هجوم كوني على دول ، او ارهاب ، او تجويع ... إلخ . من فنون الموت .

   ان نص ( قربان ) يعد صرخة ضد الواقع المريض والمجتمع اليائس البائس ، ومن خلال تلك الصرخة يدعو كاتبنا ( جاسم المنصوري ) الضمير الإنساني عله ينهض من سباته .

 استخدم ( المنصوري ) صوتاً ورجل طاعن في السن ، يائس ليضبط ايقاع العرض وكأنه ( جوكر ) ( اوجست بوال ) فوجود الصوت في العرض يشّد انتباه الجمهور ويحافظ على يقظته ، من اجل التركيز على مسار الحدث والذروات .

   اما في النص الثاني ( مطر يابس ) وهي ( مونودراما ) ناقش بها كاتبنا ( المنصوري ) عدداً من المفردات مثل ( مطر يابس ، مانيكان ، ابن افتراضي ، السياسيين ، السجن ، الموت المجاني ، العفة ، الشرف ) تضمن النص حواراً بين الصوت ، والفتاة ، حيث ان الصوت بخطابه العقلاني والمحرض والمستفز لوعي الفتاة والمتلقي ، اذا ان اجوبته تثير تساؤلات ، المتلقي ، وبنفس الوقت ان خطابه مغلف باليأس والتشاؤم ، اما خطاب الفتاة فكان يمثل الوعي النقدي للواقع عبر امتلاكها حجة المنطق والإرادة ، وبهذا شكلا معاً صراعاً فكرياً متوازناً .

الفكرة العامة : فتاة تناقش الواقع بكافة ارهاصاته ومتغيراته الناتجة بفعل السياسات الجائرة ، فتناقش الافعال الاجتماعية وظلم المرأة والنظرة الدونية لها ، وتنتقد ذلك المجتمع الذي لا يرى في المرأة سوى جثة جميلة لتفريغ شهوته ليس إلا .

ان جميع المؤشرات الواردة في النص لخصت بمطر يابس ، ذلك المطر الذي يفترض ان يكون رمزاً للنقاء وغسل الذنوب كما كانت تحكي الجدات ، وتعبير عن الخير ، إلا انه وبفعل الظلم بات يابساً يبلل الاجساد ليس إلا ، وانه بات تعبيراً على توقف الخير في المجتمع بسبب طغيان الانانية والكراهية وسيادتها فتيبست المشاعر وتيبس معها كل شيء .

النص الثالث ( الناجي ) وهو مونودراما ، يناقش القضية الحسينية والتضحية الكبرى وربطها مع الواقع الآني ، اذ تبرز الدعوة والتحريض للتحرك ضد الفساد والظلم وتدعيم ذلك التحرك بوقوف الإمام ( الحسين ) ضد الظلم والطغيان .

النص الرابع حمل عنوان ( تراب مر ) بالغ به كاتبنا ( المنصوري ) في السرد في حين ان النص المسرحي يجب ان يعتمد لغة الافعال لا السرد ، حيث يدور حواراً بين الفلاح والممثلة غير مترابط يحيلنا إلى حوارات ( هارود بنتر ) في مسرحيته ( اللوحة ) فهي توصل الفكرة إلى المتلقي بطريقة الإشارات في الحوارات المتقطعة والمتقاطعة فيما بينها ، اذ ان الفلاح يتحدث مع نفسه والممثلة تتحدث مع نفسها ليشتركان في توجيه فكر المتلقي إلى مكان ما ، يرومه الكاتب ، كما ان المحور الرئيسي في النص كان ( الخاتم ) وقد يكون تجسيد للثقة والتي ارادها السياسي والمخلص بالنسبة للمرأة وإلى الشهيد .  

   ام النص الخامس فقد حمل عنوان ( العطش بتوقيت الكوفة ) ، حيث استخدم كاتبنا تداخلاً بين الحدث التاريخي والواقع الحالي ، فرمزية العطش امتدت منذ واقعة ( الطف ) إلى يومنا هذا ، وهنا العطش ليس بمعناه المباشر بل بمعناه الرمزي ، فالواقع الحالي يعيش ازمات العطش الروحي على جميع الأصعدة والحاجة ، فالواقع يعاكس أي حالة من حالات للرخاء للغالبية .

النص السادس ( طاعون ) نصاً تاريخياً حقق ( المنصوري ) من خلاله حركة فكرية ممكن ان تنعش وعي القارئ والمتلقي للعرض المسرحي ، فقد اثار ذاكرته ويقظته ودعاه للترقب من خلال التداخل الزمني الذي زج به ( عبد الرحمن بن ملجم ) و( الراوي ) حيث جاء ( عبدالرحمن بن ملجم) من الماضي إلى الحاضر في المشهد الأول ، ثم عاد به إلى الماضي ومعه الراوي في المشهد الثاني ، ان مثل تلك التقنيات تحقق انتقالة على مستوى التفكير ووعي التلقي عبر الخروج عن المألوف على مستوى مسار الحدث وتقنية المعالجة ، لكنها تنتج اقناع بمكنون البذرة المسرحية .

النص السابع ( دفن ) تتلخص فكرته حول شخصية رجلان يعملان على دفن الموتى ، وبسبب الملل يقترح احدهما ان يلعبان لعبة ، وهي حفر قبر ليدفنا فيه السلبيات التي اثرت وتؤثر على حياتهما ، وايضاً يرميان جميع الامراض الاجتماعية والسياسية والنفسية ...إلخ . لتدفن دون عودة ، قد يصنف هذا النص ضمن مسرح ( اللامعقول ) فهو لا معقول ومعقوليته تكمن برمزية القبر ، أي انه يمثل التجاهل لكل الأفكار الذكريات السلبية والتي بوجودها في الفكر والوعي تؤثر سلباً على استمرار الحياة ، ليحل محلها الفعل الإيجابي والذي من شأنه الدفع باتجاه السمو والرفعة .

اليأس في نصوص (مطر يابس) المسرحية

اما النص الثامن والأخير ( فجر هذه الليلة ) وهو ( مونودراما )  وهو يدرج ضمن النصوص التاريخية فمحوره هو شخصية ( ابو عبدالملك مروان الثاني بن محمد ) ذلك الملك الظالم الطاغي الذي يهرب من الجميع لكن يدرك مصيره المحتوم الا وهو القتل .

عادةً في النصوص التاريخية عند مناقشتها على خشبة المسرح يفترض ان تكون هناك ضرورة قصوى ، وهذه الضرورة تفرض على الكاتب تحديثاً لذلك النص ليكون لساناً معبراً على المرحلة الآنية وبيئة الكاتب على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ... إلخ . وهذا  الربط لا يعني الانسلاخ من التاريخانية للنص بل زج الومضات بين مسار حوارات بمسحات محدثة ليحقق النص المسرحي صوتاً موحداً بين الماضي والحاضر ، من خلال اثارة وعي المتلقي ودعوته للمقارنة بين الزمنين ، وفي هذا النص تحقق مقطعاً قصيراً ضمن الحوار كنت اتمنى ان يتكرر هذا الاشتغال بأكثر من مكان ، وهو الصوت رقم ( 3 ) مع مروان عندما يقول له الصوت ( ابحث في تاريخك يا هذا ، ..... ، فتش عن لحظة صدق ، ابحث في داخلك عن موقف ازالة لكرب ، اغاثة مظلوم ، ابحث عن نقطة ضوء انرت بها ليل المساكين والفقراء ) صفحة ( 154155 ) .

الا اني ارى في هذا النص كثافة في حركة الافعال الافتراضية ، والتي تعطي مساحة واسعة ومطلقة للمخرج للعمل والابتكار ، وقد يكون هذا النص الاوفر حظاً بين نصوص هذه المجموعة من ناحية كثافة الافعال والمتغيرات .

التقنية الكتابية : عادة المنجز المسرحي او الشعري او القصصي ، لا يحتمل التكرار في الكيفية ، بل يعتمد ( الجدة ) في المعالجة ، لا سيما كتابة النص المسرحي ، فمثلاً في كتابنا هذا ( مطر يابس ) احتوى على ثمان نصوص ، ستة منها احتوت على تقنية متشابهة الا وهي وجود ( الصوت ) في حين ينبغي ان يكون استخدامه لمرة واحد وفي نص واحد فقط ، ويمكن الاستعاضة عنه بالفلاش باك ، الشبح ، ... إلخ . من التقنيات التي للكاتب مطلق الحرية بابتكارها  مع النصوص الاخرى لتحقق تنوعاً جديداً في المعالجة .

  ففي الكتاب المسرحي الواحد يفتض ان تكون المغايرة ليس على مستوى الفكرة فقد بل في المعالجة وهي الاهم ، لأن ان النص المسرحي يعتمد التكثيف ولغة الفعل لا السرد كما في الرواية او القصة ، فالكتابة المسرحية محكومة بضرورات  الخشبة المسرحية وتقنياتها وعناصرها ، والاهم هو وضع المتلقي ، النص المسرحي المقل بالأفعال يعد نصاً مترهلاً وقد يدعو المخرج للحذف أو الإضافة واحياناً الأعداد أو رفض النص اذا شعر انه غير قادر على تحقيق فعل درامي .

كما ان مجموعة نصوص (مطر يابس) احتوت على نصوص منوعة على صعيد التوجه ، فهناك نصوص اجتماعية وهناك نصوص طغى عليها الطابع الديني وهي الاغلب ، كنت اتمنى ان تجمع النصوص الدينية بكتاب منفصل والنصوص الاجتماعية في كتاباً آخر ، لتأخذ حقها في الدراسة والبحث العلمي ، لا سيما وان ذلك التصنيف سيفرض على الكاتب لا ارادياً ان يراعي التنوع في المعالجة بصورة اكثر دقة ، من حيث استخدام تقنيات متعددة ، في الكتاب الواحد .

في جميع النصوص هناك كثرة في الاستشهادات  سواءً لأقوال فلاسفة او أبيات شعرية لشعراء ، حتى انها تكررت لأكثر من مرة في النص الواحد ، وهذا يضعف من قيمة النص ، فكاتب النص يمتلك فلسفته الخاصة وحكمته التي يروم ايصالها ، بأدواته ، ولا داعي لتعزيزها بأقوال لآخرين ، لا سيما وان كاتبنا ( المنصوري ) هو شاعراً في الأصل ، فلو كان قد استشهد بأبيات شعرية من تأليفه لكانت ابلغ ، لأنها ستحقق خصوصيته ، فـ(شكسبير) لم يستشهد في نصوصه الا ما ندر ببعض الملاحم او ببيت شعري للضرورة القصوى وتعد على اصابع اليد الواحدة في جميع نصوصه التي وصلتنا .

  اليأس : كان العنصر المهيمن على هذه النصوص بأجمعها ، وقد ووظفه الكاتب ( جاسم المنصوري ) بحرفية عالية ، من خلال ما يسمى بتحريض العكس ، أي ان طغيان صوت اليأس في المعالجات المسرحية لا يدعوا المتلقي إلى اليأس ، بل يكون خطابه عكسي ، أي انه سينفذ إلى نفس المتلقي ويدعوه للمقارنة واستنهاضه للتحرك ورفض المسبب الاساسي لليأس وعل كافة المستويات ، فاليأس يجسد الضعف ومن خلال التركيز عليه يعطي تأثيراً عكسياً مستفزاً لوعي المتلقي ، ومن خلال الاقناع والتأثير يتم التحريض وصولاً إلى التحرك الآني ام المستقبلي للتغير الواقع .

فعلى المستوى السايكولوجي يكون اليأس بمعنى رفض المقابل ، لأن الشخص قد وصل إلى حالة من فهم المقابل دعته إلى اتخاذ قراراته برفض جميع خطاباته لأنها باتت مكشوفة لذلك الشخص اليائس ، وفي المسرح عند تجسيد ذلك الخطاب اليائس ، فأنه يكون معبراً عن ذلك المتفرج الجالس في الصالة والذي جاء بحثاً للخلاص من هموم يومه ، وبالتالي عندما ترسل له رسالة بانه يائس ، فانه سيعيش حالة التحدي ، وهو ما اراده (المنصوري). 

اللغة : استخدم كاتبنا اللغة الجزلة البسيطة البعيدة عن المصطلحات البلاغية والمبالغات الشعرية ، الا انه زج بعض الكلمات الشعبية في نصوصه لم تحقق شيئاً على المستوى الدرامي ، لان الكلمات الشعبية المستخدمة في النصوص المسرحية يفترض ان تكون ( غستوس ) متفق عليه على المستوى الجمعي للبيئة المستهدفة ، كما يفترض ان تكون داعمة للذروة الرئيسية للنص او الذروات الثانوية ، لكن اقحام تلك المصطلحات الشعبية بين الحين والآخر تؤثر على مستوى الخطاب وتؤثر على وحدته وتكامليته . 

مشاركة:

آخر تحديث: ١٨ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:٢٢ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مصنع السحاب
قراءات

مصنع السحاب

مصنع السحاب قراءة في رواية مصنع السحاب للكاتب حامد عبد الصمد نشوان عزيز عمانوئيل حامد عبد الصمد كاتب يميل إلى الاقتراب من الأسئلة الشائكة التي غالبًا ما يتجنبها الخطاب المألوف، ويمنح في كتابته مساحة واسعة للتفكير في الإنسان، وحريته، وخوفه، وعلاقته بالموت والمعنى. وفي «مصنع السحاب» يذهب بهذا…

· 6 د
حين يقرأ البحرُ قارئَه:

ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين
قراءات

حين يقرأ البحرُ قارئَه: ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين

إسماعيل نوري الربيعي ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من…

· 9 د
قراءة في كتاب فن الشعر عند العرب:

للعلامة  نوري جعفر
قراءات

قراءة في كتاب فن الشعر عند العرب: للعلامة د. نوري جعفر

الأستاذ الدكتور باقر الكرباسي ضمن مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية سنة ٢٠١٣ صدر بطبعته الأولى كتاب (فن الشعر عند العرب) للأستاذ الدكتور نوري جعفر/ سلسلة دراسات (١١٦) وبـ ٢٨٠ صفحة، کتب مقدمة الكتاب الأستاذ الدكتور عبد الكريم راضي جعفر يقول فيها: (فن الشعر عند العرب كتاب أنجزه الدكتور نوري صفر في…

· 13 د