"تَحْكِي الرُّصَافَةُ" عائدون بالسرد إلى الأندلس ، إصدار أدبي يجمع بين دفتيه قصصا متنوعة لـ 49 قاصا وقاصة، ينتمون إلى 13 بلدا موزعة على أربع قارات، في تجربة أدبية تنفتح على تعدد الأصوات واللغات والبيئات الثقافية، وتمنح القصة القصيرة فضاء رحبا للقاء بين تجارب إبداعية تنتمي إلى جغرافيات مختلفة.
ويعتبر هذا الإصدار ثمرة عمل أدبي وثقافي أنجزه وترجمه المبدع المغربي المقيم بإسبانيا حسن يارتي، الذي اشتغل على إعداد الأنطولوجيا وترجمة بعض نصوصها، حيث جمع فيها تجارب قصصية متعددة ومتنوعة من جميع أنحاء العالم في كتاب واحد، بما يتيح للقارئ اكتشاف عوالم سردية مختلفة، والاقتراب من حساسيات إبداعية تتنوع بتنوع أصحابها ومرجعياتهم وبيئاتهم.
وتحمل الأنطولوجيا عنوان "تَحْكِي الرُّصَافَةُ" عائدون بالسرد إلى الأندلس، وهو عنوان يحيل إلى الحكاية وإلى المكان باعتباره ذاكرة وفضاء مفتوح على الإنسان والتفاصيل، ويمنح الكتاب منذ عتبته الأولى إيحاء بأن الرصافة ليست فقط فضاء جغرافي، وإنما مجال تتقاطع فيه الحكايات والأصوات والتجارب الإنسانية.
اجتمعت فيه نصوص 49 قاصا وقاصة من 13 بلدا وأربع قارات، وهو ما يمنح العمل طابعا عابرا للحدود، ويجعله مساحة أدبية تتجاور فيها رؤى مختلفة حول الإنسان والحياة والذاكرة والمكان والعلاقات والتحولات اليومية.
ولا تقف أهمية هذا التنوع عند الجانب العددي، بل تتجلى أيضا في طبيعة التجارب التي يتيح الكتاب للقارئ التعرف إليها؛ فالقصة القصيرة، بما تمتلكه من قدرة على التكثيف والاختزال والاشتغال على التفاصيل، تبدو في مثل هذه المشاريع الأدبية وسيلة مناسبة لمد جسور التواصل بين ثقافات متعددة، إذ يستطيع النص القصصي أن يحمل خصوصية بيئته، وفي الوقت نفسه أن يلامس أسئلة إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية.
ويكتسي حضور حسن يارتي في هذا المشروع أهمية خاصة، بالنظر إلى اشتغاله على إنجاز الأنطولوجيا وترجمة نصوصها، بما يجعل من الكتاب مشروعا أدبيا لا يقتصر على جمع النصوص، وإنما يقوم أيضا على فعل العبور بين اللغات والثقافات.

فالترجمة الأدبية في هذا السياق لا تؤدي وظيفة نقل الكلمات من لغة إلى أخرى فحسب، وإنما تسهم في تقريب التجارب الإبداعية من القارئ، وإتاحة فرصة التعارف بين كتاب ينتمون إلى فضاءات مختلفة. ومن هنا، تأتي الأنطولوجيا باعتبارها فضاء للتبادل الأدبي، تلتقي فيه النصوص المختلفة داخل مشروع واحد.
ويؤكد هذا الاختيار أن الأدب قادر على بناء جسور تتجاوز الحدود، وأن القصة القصيرة، بما تحمله من كثافة وإيحاء، يمكن أن تكون لغة مشتركة بين مبدعين لا تجمعهم بالضرورة الجغرافيا أو اللغة أو الخلفية الثقافية.
وقد صدر "تَحْكِي الرُّصَافَةُ" عن برشلونة الأدبية، بتعاون مع جامعة المبدعين المغاربة، في إطار تجربة تسعى إلى توسيع فضاءات التلاقي الأدبي، وإبراز حضور الإبداع المغربي والعربي في المشهد الثقافي الدولي، وفتح المجال أمام التفاعل مع تجارب إبداعية من بلدان مختلفة.
ويأتي التعاون بين الجهتين ليمنح الإصدار بعدا مؤسساتيا وثقافيا، خصوصا أن العمل لا يقدم تجربة قصصية واحدة، وإنما يجمع عددا كبيرا من الأصوات والتجارب داخل أنطولوجيا واحدة، بما يجعل منه مشروعًا للانفتاح الأدبي والتبادل الثقافي.
كما يعكس الإصدار توجها نحو تجاوز الحدود التقليدية للنشر المحلي، من خلال الانفتاح على أسماء وتجارب تنتمي إلى أكثر من فضاء جغرافي، وتحويل الكتاب إلى نقطة لقاء بين مبدعين من قارات مختلفة.
وتظل القصة القصيرة واحدة من أكثر الأجناس الأدبية قدرة على التقاط اللحظة الإنسانية وتكثيفها، فهي لا تحتاج إلى مساحات واسعة حتى تفتح أمام القارئ عالما كاملا، وقد تختزل في مشهد أو شخصية أو موقف ما لا تستطيع صفحات طويلة قوله.
ومن هذا المنطلق، تبدو أنطولوجيا "تَحْكِي الرُّصَافَةُ" تجربة تقوم على تعدد الحكايات داخل كتاب واحد، بحيث يجد القارئ نفسه أمام أصوات سردية مختلفة، لكل منها رؤيتها الخاصة وطريقتها في بناء العالم القصصي، لكنها تلتقي جميعا في فضاء واحد هو فضاء الكتاب.
وإذا كان اختلاف البلدان والقارات يعكس تنوع التجارب الإنسانية، فإن اجتماع هذه النصوص بين دفتي كتاب واحد يمنح هذا الاختلاف قيمة إضافية، لأن القارئ لا يقرأ النصوص باعتبارها تجارب منفصلة فحسب، وإنما يكتشف من خلالها مساحات التقاطع بين البشر، مهما اختلفت أمكنتهم ولغاتهم وخلفياتهم.
ويمثل صدور "تحْكِي الرُّصَافَةُ" إضافة إلى المشهد الأدبي الأنطولوجي، بالنظر إلى حجم المشاركة وتنوعها الجغرافي، وإلى الجهد المبذول في إعداد النصوص وترجمتها وتجميعها ضمن مشروع واحد.
كما يعكس الإصدار أهمية المشاريع الجماعية في التعريف بالأدب وبالأصوات الإبداعية، خصوصًا حين تقوم على الانفتاح على تجارب متعددة، وتمنح الكاتب مساحة للحضور إلى جانب أصوات أخرى، بما يتيح للقارئ تشكيل صورة أوسع عن المشهد القصصي المعاصر.
ويحمل الكتاب، في هذا السياق، أكثر من دلالة؛ فهو من جهة احتفاء بالقصة القصيرة، ومن جهة ثانية مساحة للتعارف بين المبدعين، ومن جهة ثالثة مشروع للترجمة والتبادل الثقافي، فضلًا عن كونه تجربة تجمع أصواتا أدبية من أربع قارات في إصدار واحد.
وبصدور هذه الأنطولوجيا، تتواصل جهود برشلونة الأدبية وجامعة المبدعين المغاربة في دعم المبادرات الأدبية التي تفتح المجال أمام المبدعين وتقرّب التجارب الإبداعية من بعضها، فيما يضيف حسن يارتي من خلال إنجاز وترجمة هذا العمل تجربة جديدة إلى مساره في الاشتغال على الأدب والترجمة والانفتاح على المشهد الثقافي خارج الحدود.
وهكذا تأتي "تَحْكِي الرُّصَافَةُ" حاملة 49 صوتا قصصيا من 13 بلدا، لتضع بين يدي القارئ كتابا تتعدد فيه الحكايات وتتجاور فيه التجارب، وتلتقي فيه جغرافيات أربع قارات حول مساحة واحدة: مساحة السرد والحكاية والإبداع.







التعليقات