انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

توفيق الفكيكي… بين محراب القانون وفضاء الأدب

محمد علي محيي الدين
محمد علي محيي الدين

كاتب وباحث عراقي

3 دقائق للقراءة
16 مشاهدة
توفيق الفكيكي… بين محراب القانون وفضاء الأدب
مشاركة:

في بغداد، حيث تختلط هيبة التاريخ بنبض الحياة، وُلد توفيق بن علي بن ناصر الفكيكي سنة 1321هـ، فشبّ في بيئةٍ تعتزّ بالعلم وتحتفي بالكلمة، كأنما كان مقدّرًا له أن يسلك دربًا تتجاور فيه المعرفة القانونية مع الحسّ الأدبي، وأن يجمع بين صرامة العقل ورهافة التعبير. بدأ تعليمه في المدرسة الرشدية، ثم انتقل إلى دار المعلمين، فمارس التعليم ردحًا من الزمن، قبل أن يتجه إلى دراسة الحقوق، حيث وجد في القانون مجالًا آخر لتجسيد نزوعه نحو الفهم والتحليل، فامتهن المحاماة، ثم ارتقى إلى سلك القضاء.

غير أن الفكيكي لم يكن رجل وظيفة بقدر ما كان رجل فكرة؛ إذ سرعان ما ضاق بإطار القضاء الصارم، فاستقال منه، ليخوض غمار الصحافة والسياسة، حيث اتسعت أمامه مساحة القول، واشتد حضوره في الشأن العام حتى انتُخب نائبًا، فكان صوته امتدادًا لوعيه، وموقفه تعبيرًا عن رؤيته. وفي موازاة ذلك، ظلّ وفيًا للكتابة، فصنّف في الأدب والتاريخ والدين والقضايا الاجتماعية، جامعًا بين التحقيق والجدل، وبين العرض والتحليل.

وخلال عمله في لواء كربلاء، انفتح على بيئة علمية وأدبية خصبة، فنسج علاقات وثيقة مع شعراء كربلاء والنجف وأدباءهما، وتقرّب من رجال الدين، حتى غدا من روّاد مجالسهم، ينهل من معارفهم ويستفيد من تراثهم. ولم يكن دخوله إلى تلك البيوت مجرد زيارة عابرة، بل كان ولوجًا واعيًا إلى خزائن الفكر، حيث تداخلت عنده الثقافة الدينية بالذائقة الأدبية. وفي تلك المرحلة، فتح له الأديب جعفر الخليلي صفحات صحفه، فكان منبرًا لكتاباته، ومجالًا لبروز صوته في الوسط الثقافي.

وعندما عاد إلى بغداد، لم ينقطع عن هذا الحراك، بل ازداد اندماجًا في أوساطها الأدبية، حتى غلبت عليه صفة الأديب أكثر من القانوني، فكان من روّاد المجالس، ومن الوجوه المعروفة في مجتمعها الثقافي. وقد تميز بأسلوبٍ يجمع بين دقة الاستنباط القانوني وجمالية التعبير الأدبي، فكان قلمه قادرًا على أن يحلل ويجادل، كما يبدع ويصوغ، في توازن نادر بين العقل والذائقة.

عرف عنه حضوره في المساجلات الأدبية والمطارحات الفكرية، ولم يكن بعيدًا عن المعارك الثقافية التي شهدها عصره، بل كان في قلبها، ومن أبرزها الخلاف الذي دار بين الشيخ محمد علي اليعقوبي وعلي الخاقاني حول “موسوعة شعراء الحلة”، حيث كان الفكيكي أحد أبطال تلك المواجهة الفكرية، بما امتلكه من جرأة في الرأي، وقدرة على المحاججة. وقد تناول سيرته ونتاجه الباحث الراحل جعفر الخليلي، فأنصف تجربته، وأبرز ملامحها في سياقها الثقافي.

أما آثاره، فتدل على تنوع اهتماماته واتساع أفقه؛ ففي كتابه “الراعي والرعية” قدّم شرحًا لعهد الإمام علي بن أبي طالب إلى مالك الأشتر، مستلهمًا من “نهج البلاغة” رؤية سياسية وأخلاقية عميقة، حتى غدا هذا الكتاب من أشهر مؤلفاته، وطُبع مرات عديدة، وتُرجم إلى الفارسية. وفي “المتعة وأثرها في الإصلاح الاجتماعي” خاض جدلًا فكريًا مع آراء معاصريه، مدافعًا عن رؤيته في قضايا اجتماعية حساسة، ومواجهًا ما كُتب حولها من أطروحات مخالفة.

كما كتب عن شخصيات تاريخية مثل “سكينة بنت الحسين” و”الإمام جعفر الصادق”، واستعرض موضوعات ذات طابع اجتماعي وأخلاقي في كتب مثل “الحجاب والسفور” و”أدب الفتوّة” و”حماية الحيوان في شريعة القرآن” والمعاهدات في الإسلام”، كاشفًا عن عقلٍ موسوعي لا يكتفي بجانب واحد من المعرفة. ولم يغب الأدب عن هذا الحضور، فجمع في “النخيل: شعر ونثر” بين الإبداع والتأمل، مستعيدًا صورة العراق في رمزه الأثير.

لقد كان توفيق الفكيكي واحدًا من أولئك الذين لم يقفوا عند حدود التخصص، بل عبروا بين الحقول المعرفية بثقة، مستندين إلى ثقافة راسخة ووعي متقد. جمع بين القانون والأدب، بين السياسة والفكر، وبين التراث والمعاصرة، فكان صورة للمثقف العراقي الذي تشكّل في زمن التحولات، وسعى إلى أن يكون فاعلًا في صياغة وعي مجتمعه.

وهكذا، ظل اسمه حاضرًا في ذاكرة الثقافة البغدادية، لا بوصفه قاضيًا أو محاميًا أو نائبًا فحسب، بل بوصفه كاتبًا حمل همّ الكلمة، وجعل منها أداة للفهم والإصلاح، وصوتًا يتردد في فضاء الفكر، حتى بعد أن طواه الزمن في عام 1389هـ، تاركًا خلفه أثرًا لا يُمحى في سجل الأدب والفكر.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:٢٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مصنع السحاب
قراءات

مصنع السحاب

مصنع السحاب قراءة في رواية مصنع السحاب للكاتب حامد عبد الصمد نشوان عزيز عمانوئيل حامد عبد الصمد كاتب يميل إلى الاقتراب من الأسئلة الشائكة التي غالبًا ما يتجنبها الخطاب المألوف، ويمنح في كتابته مساحة واسعة للتفكير في الإنسان، وحريته، وخوفه، وعلاقته بالموت والمعنى. وفي «مصنع السحاب» يذهب بهذا…

· 6 د
مديح الصادق...

 الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا
قراءات

مديح الصادق... الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا

في تلك الليلة، لم تكن بغداد نائمة، بل كانت تتظاهر بالنوم. المدينة التي أتقنت، عبر قرون طويلة، فن إغلاق عينيها مع إبقاء أذن واحدة مفتوحة ناحية قصر الوالي، كانت تسمع وقع أقدام رجل يدور في غرفة واسعة، جيئة وذهابًا، كأن الأرض تحت قدميه أصغر من أن تتسع لعطشه. كان اسمه مشحوت، وكان عبدًا، لكن العبودية لم…

· 8 د
حين يقرأ البحرُ قارئَه:

ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين
قراءات

حين يقرأ البحرُ قارئَه: ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين

إسماعيل نوري الربيعي ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من…

· 9 د