انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حميد قاسم وطاسة الماء التي كانت تهزم الموت

إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

باحث وأكاديمي

9 دقائق للقراءة
9 مشاهدة
حميد قاسم وطاسة الماء التي كانت تهزم الموت
مشاركة:

في الفجر، قبل أن يستيقظ البيت، كان حميد قاسم يرتكب خطيئته الصغيرة ضد الموت. لا يوقظ زوجة، ولا يودّع أهلًا، ولا يسمح للعيون التي تحبه أن تراه وهو يتهيأ للذهاب إلى الحرب، لأن الوداع في الأزمنة الرديئة ليس كلامًا يقال عند الباب، بل احتمالٌ لأن تكون تلك النظرة هي الأخيرة، ولذلك كان يتسلل إلى سطح البيت حيث ينام مجد، يمد يده إلى كتفه الصغير، يهزه برفق، ويهمس باسمه كمن يوقظ حارسًا سريًا لمملكة لا يعرف بوجودها أحد: مجد... انهض. وكان الصبي يفتح عينيه فلا يسأل لماذا، كأن الأطفال الذين يولدون في زمن الحروب يتعلمون باكرًا أن بعض الأسئلة ثقيلة على آبائهم، فينزل وراءه إلى الحديقة، والبيت كله غارق في النوم، وهناك كانت تنتظرهما طاسة من الألمنيوم، من ذلك الفافون العراقي الفقير الذي لا يخطر له أنه سيُكلّف ذات يوم بمهمة أسطورية. يفتح الأب الحنفية، فيندفع الماء في الطاسة، ماء عادي جدًا، لا يأتي من نبع الخضر، ولا من بئر مسحورة، ولا تحرسه تنانين الأساطير، ثم يضعه في يدي ولده ويهمس بالتعليمات نفسها: عندما أخطو أول خطوة خارج البيت، ارم الماء ورائي، ثم ادخل، وأغلق الباب، وعد إلى فراشك، ولا تقل لأحد. كان يخشى أن يضبطه أهل البيت متلبسًا بالغيب، هو الشاعر الذي يعرف أن الأشياء لا تغير قوانين العالم، لكنه يعرف أيضًا أن الإنسان حين يُحاصر بالموت يخترع قانونًا آخر للحياة. ثم يفتح الباب. يخطو. وفي اللحظة التي تبتل فيها الأرض خلفه كان يشعر، لسبب لا يستطيع العقل تفسيره، أن طريق العودة قد فُتح. لم يكن الماء هو السر. كان مجد. كان حميد يؤمن أن هذا الطفل أشد الناس حاجة إلى بقائه حيًا، ولذلك منحه، في خياله الأبوي، سلطةً لا تملكها الجيوش: أن يعيده من الموت بقوة الحاجة. ومن هنا تبدأ حكاية حميد قاسم الحقيقية، لا من تاريخ ولادته، ولا من قائمة قصائده، ولا من المنابر التي وقف عليها، بل من ذلك الفجر العراقي الذي جعل فيه شاعرٌ ولدَه كاهنًا صغيرًا للحياة، وطاسة فافون تعويذة، وحنفية البيت نبعًا للخلود، والعتبة حدًا فاصلًا بين عالمين؛ ففي الخارج حرب تعرف كيف تأخذ الرجال، وفي الداخل طفل يعرف، أو يظن أبوه أنه يعرف، كيف يعيدهم.

حين كبر مجد خرج أبوه يبحث له عن عشبة الخلود

لكن الحكايات التي نخترعها كي نخدع الموت تكبر معنا، والموت نفسه يكبر ويتعلم حيلنا. مرت السنوات، ولم تعد طاسة الفافون تكفي. صدئت الحروب القديمة في الذاكرة، وغابت وجوه، وتبدلت المدن، وصار الذين كانوا يركضون في أول العمر يمشون على مهل، كأن أجسادهم بدأت تفاوض الأرض على كل خطوة. وهنا ظهر ذلك الوحش الذي سمّاه عريان سيد خلف بأوجع ما يمكن أن يسمى به العمر حين صاح: غم هذا العمر من ينكضي تعلعل؟! والتعلعل ليس شيخوخة فحسب؛ إنه ذلك الخراب البطيء الذي لا يقتحم الجسد كجيش، بل يدخل غرفة غرفة، يطفئ مصباحًا هنا، ويغلق نافذة هناك، حتى يكتشف الإنسان أن الموت الذي كان يومًا ينتظره في الجبهة قد صار يعرف عنوان البيت. وفي هذه اللحظة تنقلب الأسطورة: الطفل الذي كان يحمل ماء الحياة لأبيه صار رجلًا، والأب الذي كان يخرج إلى الحرب صار هو الذي يمسك بيد ابنه ويقوده في براري العمر بحثًا عن الماء نفسه. تخيلت حميد قاسم ذات ليلة يسير مع مجد في مدينة نام أهلها جميعًا، بينما الشوارع تستيقظ من تحت أقدامهما. بغداد، أو كل مدينة سكنها الحزن العراقي، ترفع رأسها وتسأله: إلى أين تأخذ ولدك يا حميد؟ فيجيب: إلى النبع. فتضحك المدينة ضحكتها القديمة وتقول: بحث عنه قبلك الملوك والشعراء والأنبياء، ولم يرجع أحد وفي يده قارورة خلود. لكنه لا يتوقف. يمسك بيد مجد كما كان يمسك الطفل بطاسة الماء، ويواصلان السير. يمران على مقبرة فتنهض الأسماء من شواهدها، لا الأجساد؛ الأسماء وحدها تمشي وراءهما، أصدقاء وشعراء وأحبة ووجوه كان يظن أن لها في الدنيا إقامة دائمة، فإذا بها صارت حروفًا محفورة على حجر. ويسأل مجد أباه: أين ماء الحياة؟ فيشير حميد إلى البعيد، مع أنه لا يرى شيئًا. فالأب لا يملك ترف الاعتراف بأنه لا يعرف الطريق. الأبوة نفسها نوع من الكذب النبيل على الهاوية؛ أن تقول لولدك سأجد لك المخرج، بينما ترتجف في داخلك لأنك تعرف أن الكون لم يمنح الآباء حق النقض على الموت. وهنا يصبح الشعر أكثر من قصيدة: يصبح محاولة لتصحيح خلل فادح في نظام العالم. لماذا يولد من نحب إذا كان علينا أن نخاف فقده؟ لماذا يعطينا الزمن أبناء ثم يطلب منا أن نسلمهم إليه؟ ولماذا يستطيع شاعر أن يخلق مدينة كاملة من جملة، لكنه لا يستطيع أن يضيف نبضة واحدة إلى قلب يحبه؟ عند هذا السؤال بالذات ينكسر غرور اللغة، ويصبح الشاعر رجلًا أعزل يحمل في جيبه كلمات كثيرة، ولا يجد بينها كلمة واحدة تصلح دواءً للموت.

العشبة التي كانت تختبئ بين الكلمات

وعند حافة المدينة تبدأ العجائبية الحقيقية. يصل حميد ومجد إلى بستان مهجور، لا يظهر على الخرائط، بستان تنبت فيه الأشياء التي فقدها العراقيون: مفاتيح بيوت لم يعودوا إليها، رسائل لم تصل، صور شبان بقوا في العشرين بينما شاخت أمهاتهم، دفاتر مدرسية، رائحة خبز، أصوات قطارات، قمصان جنود، ضحكات أصدقاء، وأغانٍ كانت تخرج من مذياع قديم ثم اختفت مع الذين كانوا يصغون إليها. وفي وسط البستان شجرة هائلة معلقة على أغصانها قصائد بدل الثمار. كلما هبت الريح تساقط بيت شعر، وإذا لامس الأرض تحول إلى ذكرى. يتقدم حميد فيعرف أن هذه مملكته الحقيقية: ليس لأنه كتب كل ما على الشجرة، بل لأن الشاعر ابن ذلك المستودع السري الذي تحفظ فيه الجماعة خساراتها. الشعر لا يصنع الموتى، لكنه يمنع الموت من امتلاكهم كاملًا. هنا يفهم لماذا ظل يكتب، ولماذا يستطيع اسم امرأة، أو أغنية، أو شارع، أو صديق، أن يخرج فجأة من العدم ويجلس إلى جواره كأنه لم يغب يومًا. فالقصيدة عند حميد قاسم ليست زينة لغوية توضع على رف الثقافة، بل شكل من أشكال المقاومة ضد المحو؛ إنها طاسة الماء القديمة بعد أن تحولت إلى لغة. كان يسكب الماء خلف ظهره ليعود من الحرب، ثم صار يسكب الكلمات خلف ظهور الراحلين لعل شيئًا منهم يعود. وفي أقصى البستان يرى عشبة صغيرة تلمع. يركض إليها.

حميد قاسم وطاسة الماء التي كانت تهزم الموت

أخيرًا، عشبة الخلود. ينحني ليقطفها، لكن الأرض تقول له: تمهل يا حميد، هذه ليست لك. يسألها: لمن إذن؟ فتجيبه: لكل من أحببت. فيمد يده ثانية، فتقول الشجرة: إن قطفتها ماتت. يسألها غاضبًا: وما فائدتها إذن؟ فتجيبه: أن تعرف أنها موجودة. وهنا ينكشف المأزق كله؛ نحن لا نطلب الخلود لأنفسنا حقًا، بل نطلبه للذين لا نستطيع تخيل العالم من دونهم. الشيخ يستطيع أن يتصالح مع موته، لكنه يعجز عن التصالح مع موت ابنه؛ الأب قد يقبل أن يخرج هو من الحكاية، لكنه يريد أن يترك أبناءه داخلها إلى الأبد. ولهذا لم يكن حميد في رحلته يبحث عن عشبة نباتية، بل عن ثغرة في قانون الفناء. كان يريد أن يعقد صفقة مع الزمن: خذ ما شئت مني واترك مجدًا. لكن الزمن تاجر لا يقايض، والموت لا يقبل الرشى، والطبيعة التي تمنحنا الحب هي نفسها التي تضع فيه منذ اللحظة الأولى بذرة الفقد. ومن هنا تأتي مأساوية الإنسان: إننا الكائنات الوحيدة التي تعرف أن أحبتها سيموتون، ومع ذلك تواصل حبهم، بل لعلنا نحبهم بهذا العمق لأننا نعرف ذلك. كل عناق، في سره البعيد، احتجاج على الفناء، وكل صورة محاولة بدائية لتجميد الزمن، وكل اسم نناديه بحنان هو تعويذة صغيرة نقول بها للموت: هذا لي، لا تلمسه.

ارم الماء ورائي يا مجد

وعندما يعودان من البستان يكون الفجر قد بدأ، ذلك الفجر نفسه، كأن أربعين عامًا لم تمر. البيت القديم قائم في مكانه، الحديقة موجودة، والحنفية تقطر، وطاسة الفافون موضوعة قرب الباب. لا يسأل حميد كيف عادت الأشياء؛ ففي الأساطير الجيدة لا تحتاج المعجزة إلى تفسير. ينظر إلى مجد، لكنه لا يرى الرجل الذي سار معه طوال الليل، بل يرى الطفل نازلًا من السطح، شعره مضطرب من النوم وعيناه نصف مغمضتين. للحظة يختلط الزمن كله: الحرب لم تقع بعد ووقعت وانتهت ولم تنته، الشاعر شاب وشيخ في اللحظة نفسها، الموت بعيد وقريب، وعريان سيد خلف يقف في مكان لا يُرى ويسأل من جديد: غم هذا العمر من ينكضي تعلعل؟! فيبتسم حميد هذه المرة، لأنه اكتشف بعد رحلة العمر أن السؤال لا يحتاج جوابًا. يملأ الطاسة. الماء يصطدم بالألمنيوم بالصوت القديم نفسه. يناولها لمجد. لكن الطفل يسأله للمرة الأولى: أبي، لماذا أفعل هذا؟ كان حميد قد أمضى عمرًا كاملًا كي يجد جواب هذه الجملة. يجثو أمامه ويقول: لأنني كنت أخاف ألا أعود إليك. فيسأله الطفل: وهل الماء يعيدك؟ فيقول: لا أعرف. فيسأله: فلماذا كنت تطلب مني أن أرميه؟ وهنا يصمت الشاعر، لأن الشعر كله قد يكون محاولة طويلة للإجابة عن سؤال طفل. كان يستطيع أن يقول إن الماء رمز للحياة، وإن البشر منذ أقدم الأساطير بحثوا عن نبع لا يموت شاربه، وإن جلجامش عبر البراري والبحار طلبًا لسر البقاء ثم عادت به الرحلة إلى معرفة حدود الإنسان، وإن الخضر ظل في المخيلة مرتبطًا بالماء الذي يتجاوز الفناء، وإن العراقيين الذين عاشوا الحروب ابتكروا طقوسًا صغيرة كي يحتملوا انتظار الغائبين؛ لكنه لا يقول شيئًا من ذلك. ينظر فقط إلى ابنه ويفهم أخيرًا: لم يكن مجد يعيده لأنه يرمي الماء، بل كان يعيده لأنه ينتظره. الحاجة التي آمن بها الشاعر قديمًا لم تكن قوة غيبية، لكنها كانت أقوى حجة يملكها قلب مذعور كي يواصل طريقه إلى الحياة. نحن لا نعود دائمًا لأن الطريق آمن؛ نعود أحيانًا لأن أحدًا ينتظرنا في نهايته. عندئذ يأخذ حميد الطاسة من يد مجد، وللمرة الأولى تتبدل الأدوار. يضعها في يد الأب الذي كانه، في يد الشاب الذاهب إلى الحرب، ثم يمسك بيد ولده ويتجهان معًا نحو الباب. في الخارج يقف الموت، لكنه لم يعد ذلك الجندي المخيف؛ صار شيخًا متعبًا يحمل دفترًا كبيرًا ويمحو منه الأسماء واحدًا واحدًا. يرفع رأسه حين يرى الشاعر ويقول: لا تتعب نفسك يا حميد، كلهم عندي في النهاية. فيجيبه حميد: الأجساد ربما. فيضحك الموت ويسأله: وماذا ستفعل بالأسماء؟ فيشير الشاعر إلى الشجرة البعيدة التي تحمل القصائد بدل الثمار، وإلى المدينة التي تحفظ أصوات أبنائها، وإلى الماء الذي ما زال يلمع في الطاسة، ثم يمضي. فالشاعر لا يهزم الموت بأن يمنعه من المجيء؛ تلك معركة خاسرة منذ البداية. يهزمه حين يمنعه من أن تكون له الكلمة الأخيرة. يهزمه عندما يجعل الغائب قابلًا للعودة في جملة، والصديق حيًا في حكاية، والمرأة التي غابت جالسة على سرير أغنية، والطفل القديم واقفًا إلى جوار الحنفية إلى الأبد. وعند العتبة يتوقف حميد. ينظر إلى مجد طويلًا، كأن كل سنوات الأبوة اجتمعت في تلك النظرة. يريد أن يقول له أشياء كثيرة، لكنه يعرف أن الكلمات حين تقترب من الحب الحقيقي تصبح أقل من المطلوب. يخطو إلى الخارج. ينتظر صوت الماء وراءه، فلا يسمعه. يلتفت مذعورًا. يرى مجد واقفًا بالطاسة، لم يرمها بعد. يسأله: لماذا لم تفعل؟ فيبتسم الابن ويقترب من أبيه، ثم يسكب نصف الماء خلفه، ويترك النصف الآخر في الطاسة. يقول حميد: ولماذا أبقيت نصفه؟ فيجيبه: هذا لك كي تعود، والنصف الآخر لي كي أبقى. عندها فقط يفهم الشاعر أين كانت عشبة الخلود التي بحث عنها طوال الليل. لم تكن في البستان، ولا وراء الجبال، ولا في الكتب، ولا في القصائد، ولا في ماء الخضر. كانت في تلك اليد الصغيرة التي حملت ذات فجر طاسة فافون وصدقت أن في استطاعتها إعادة أبيها من الحرب. يفتح حميد الباب، لكن هذه المرة لا يخرج. يدخل مجد معه، ويغلقان الباب على الموت في الخارج. وتبقى على العتبة بقعة ماء صغيرة تلمع تحت شمس الصباح، وكلما حاول الزمن أن يجففها، خرجت من البيت يد طفل، وسكبت فوقها قليلًا آخر.

مشاركة:
إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

آخر تحديث: ١٨ أيلول ٢٠٢٦ في ٠١:٣٥ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مصنع السحاب
قراءات

مصنع السحاب

مصنع السحاب قراءة في رواية مصنع السحاب للكاتب حامد عبد الصمد نشوان عزيز عمانوئيل حامد عبد الصمد كاتب يميل إلى الاقتراب من الأسئلة الشائكة التي غالبًا ما يتجنبها الخطاب المألوف، ويمنح في كتابته مساحة واسعة للتفكير في الإنسان، وحريته، وخوفه، وعلاقته بالموت والمعنى. وفي «مصنع السحاب» يذهب بهذا…

· 6 د
حين يقرأ البحرُ قارئَه:

ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين
قراءات

حين يقرأ البحرُ قارئَه: ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين

إسماعيل نوري الربيعي ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من…

· 9 د
مديح الصادق...

 الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا
قراءات

مديح الصادق... الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا

في تلك الليلة، لم تكن بغداد نائمة، بل كانت تتظاهر بالنوم. المدينة التي أتقنت، عبر قرون طويلة، فن إغلاق عينيها مع إبقاء أذن واحدة مفتوحة ناحية قصر الوالي، كانت تسمع وقع أقدام رجل يدور في غرفة واسعة، جيئة وذهابًا، كأن الأرض تحت قدميه أصغر من أن تتسع لعطشه. كان اسمه مشحوت، وكان عبدًا، لكن العبودية لم…

· 8 د