ضمن مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية سنة ٢٠١٣ صدر بطبعته الأولى كتاب (فن الشعر عند العرب) للأستاذ الدكتور نوري جعفر/ سلسلة دراسات (١١٦) وبـ ٢٨٠ صفحة، کتب مقدمة الكتاب الأستاذ الدكتور عبد الكريم راضي جعفر يقول فيها: (فن الشعر عند العرب كتاب أنجزه الدكتور نوري صفر في بداية الثمانينات - كما أرجح - قلت أنجره... فحركة تأليفه إياه أبعد من هذا التاريخ بالطبع) ص6، ويضيف الدكتور عبد الكريم في مقدمته: (إن ما ينحاز به هذا الكتاب، هو هذا الجمع الفذ بين النصوص العلمية والأدبية والفلسفية والسياسية، فضلاً عن النظر إلى النصوص - قديمها وحديثها - بمنظار تكويني ينسجم مع حركة فهم هذا التكوين العجيب الذي نسميه شعراً، أو اللغة المتولدة من "التغير المركب" كما يسميه الفارابي، أو المعاناة الروحية الموصولة التي يصحب فيها الشاعر ذاته، كما تقول نازك الملائكة... باختصار: هو تحويل آلام الدم الى حبر على حد تعبير ت. س. اليوت) ص7، وفي المقدمة أيضاً: (إن مثل هذا الجمع يمثل جهداً فريداً رصيناً يشير إلى طول نفس هذا الرائد، وبحثه الدائب في كتب اللغويين والفقهاء والنقاد والفلاسفة والساسة، غير ناس الإشارة إلى الذائقة الشعرية الخاصة التي يتمتع بها، هذا ما يؤكده ارتصاف النماذج الشعرية المختارة - من حيث الموضوع والفن - مع ما ذهبت إليه) ص7.
وقبل الدخول إلى موضوع الكتاب كتب العلامة نوري جعفر كلمة تمهيدية وضح فيها تأليفه لهذا الكتاب قائلاً: (وأنا أقول: شغلنا علم الدماغ عن جيد الكلام، ولكن مع ذلك - وربما بسببه - فقد كنا نختلس فترات الراحة - بعد السأم من قراءة الكتب التي تبحث في علم الدماغ باللغة الإنكليزية وهي كثيرة جافة ومعقدة لتستمتع بقراءة كتب الأدب ودواوين الشعر ونحن في سباق مع الزمن ولسان الحال يردد قول الشاعر "العابث":
لا تعجبي لهوي على كبري فعلي من عهد الصبا قَرْصُ / ص9
كان حضور الدكتور نوري جعفر في الميدان العلمي والثقافي لافتاً لجميع المهتمين بالثقافة والأدب والعلم بحيث احتسبوا له شأناً من أن ينافس أضرابه وأنداده في صنعتهم وتولعهم بالتأليف والكتابة، فبفضل ما باغتهم به من التآليف الرصينة والأبحاث المحكمة ولكتابات المستوفية لشروط الموضوعية والتحري والدقة والإحتكام إلى الضمير الإنساني المتجرد من الهوى في إرسال كل حكم، والقطع بكل رأي، والتسليم بأية نظرة غير ابتغاء الحقيقة وتوخيها, فرض نفسه فرضاً فصار لزاماً لهم أن يركنوا لإستنتاجاته وتخريجاته في المسائل العلمية والتربوية والفلسفية، وبعيداً عن العلم وفسلجة الدماغ فكان للعلامة نوري جعفر إسهام في إنجاز الكتب الأدبية وهي:
الأصالة في شعر أبي الطيب المتنبي: بغداد، مطبعة الزهراء، 1976.
مع الحريري في مقاماته: بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، الموسوعة الصغيرة ع190، 1986.
مواطن الإناقة والجمال في اللغة العربية: بلا تاريخ.
الجوانب السايكولوجية في أدب الحافظ: وزارة الثقافة العامة والإعلام، بغداد،1981.
بين الجاحظ وجورج برنارد شو: بلا تاريخ.
تأملات في شعر الشريف الرضي: بلا تاريخ.
بين الجواهري وأبي الطيب المتنبي: بلا تاريخ.
ساعات مع مكسيم غوركي:
فن الشعر عند العرب: بغداد، مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية، 2013. ط1/ وزارة الثقافة والذي أفرحني حقيقة ما أنجزه الصديق المبدع الأستاذ نبيل عبد الأمير الربيعي الكاتب والباحث المعروف كتاباً عن العلامة نوري جعفر عنوانه: (نوري جعفر، جدل الفكر والإنسان) والوقوف على مناحي نشاط الدكتور نوري جعفر العلمية والفكرية المتنوعة والمتشعبة والمتوزعة بين التأليف والبحث، انه عمل كبير يحسب للربيعي الباحث.

كتاب الدكتور نوري جعفر يتألف من تقديم وكلمة تمهيدية ومقدمة وفصول خمسة، يقول العلامة نوري جعفر في المقدمة: (لاشك أن قضية البحث في نشوء الشعر وتطوره عبر العصور لدى النوع الإنساني وفي كل مجتمع على انفراد قضية شائكة ومتعددة الجوانب تستلزم - من بين أمور كثيرة - أن يستعين المرء بالعلوم الطبيعية والإجتماعية وبعلوم اللغة من ناحية الكشف عن نشوء اللغة نفسها وارتقائها من حيث هي كلام منطوق به و مدون يتداوله الناس في مجرى حياتهم اليومية المعتادة أثناء الإتصال الفكري والإنفعالي وعند التعبير عن الآراء والمشاعر) ص16 ويضيف الدكتور نوري جعفر في المقدمة أيضاً: (ومع ذلك فإنه من الممكن القول أن الشعر نشأ على ما يبدو لدى الإنسان البدائي في الماضي السحيق ليؤدي وظيفة إجتماعية وسايكولوجية مميزة أثناء فعالية الطبيعية القاسية - الجامدة والحية - للمحافظة على البقاء وللدفاع عن النفس أثناء الغزو وفي وقت جني المحاصيل الزراعية وفي مناسبات العبادة وممارسة الطقوس الدينية، والشعر نمط خاص من أنماط التعبير اللغوي، وقد ارتبط الشعر منذ نشوئه بشكله البدائي بالرقص والغناء والموسيقى، معنى هذا: أن الشعر قد ارتبط منذ البداية بإيقاعات الجسم أثناء حركاته الرشيقة عند الرقص وبالغناء من حيث الجرس الموسيقي وبالعزف أيضاً باستخدام أدوات العزف البدائية المتوافرة آنذاك) ص16، وفي المقدمة نفسها ينقل الدكتور نوري جعفر قول الجاحظ عن نشأة الشعر عند العرب، إذ يقول الجاحظ: (أما أصل الشعر عند العرب فحديث الميلاد صغير السن، وأول من نهج سبيله وسهل الطريق إليه إمرؤ القيس ومهلهل بن ربيعة - الحيوان / ج 1ص74 -، وهنا أشكل الدكتور نوري جعفر على كلام الجاحظ بقوله: (بشكل غير دقيق يفتقر إلى القرينة التاريخية) ص17، ويبدو أن الدكتور يميل إلى ما تحدث به إبن خلدون عن الشعر عند العرب ويصفه بالحديث الممتع ولم يقف حد الوصف بل أثر الدكتور إلى أن ينقل فقرات منه، وكذلك ينقل الدكتور جعفر ما قاله قدامة بن جعفر حول الشعر عند العرب: (قول موزون مقفى يدل على معنى وكون الشعر كلاماً موزوناً - بنظره - يميزه عن الكلام غير الموزون الذي يدل على أصل الكلام وهو بمنزلة الجنس للشعر، أما كون الشعر كلاماً " مقفى " فإن ذلك يشير إلى قواف تميزه عما لا قوافي فيه ولا مقاطع - وتحديد الشعر - من وجهة نظر قدامة بن جعفر بكونه كلاماً موزوناً مقفى " يدل على معنى " وذلك للفصل بين ما جرى من القول على قافية ووزن مع دلالة على معنى وبين ما جرى على ذلك من غير دلالة ومعنى) ص18.
ويستمر الدكتور نوري جعفر في مقدمته المهمة للكتاب شارحاً فيها بالتدرج التاريخي الصلة بين الغناء والشعر موضحاً بقرائن وحوادث تاريخية فيقول: (لقد كانت العرب منذ جاهليتها الأولى تغني بالشعر وتترنم به وتهتز أعطافها ومشاعرها لموسيقاه وجرسه وتمد أصواتها بالنشيد وتزن الشعر بالغناء، قال حسان بن ثابت:
تغَنَّ بكل شعر أنتَ قائله إن الغناء لهذا الشعر مضمارُ
المقدمة التي كتبها الدكتور لكتابه هذا فيها من الإمتاع والإفادة للقارئ والباحث....
(منزلة الشعر عند العرب) هو عنوان الفصل الأول من الكتاب وهو فصل مهم يتحدث فيه بحوادث تاريخية فيقول: (مما لاشك فيه أن لمنزلة الشعر عند العرب أسباباً وعوامل موضوعية حتمية الحدوث أبرزها كون الشعر أداة أيديولوجية حادة في المدح والقدح، وللشعر أيضا متعة سايكولوجية واضحة من ناحية جرسه الموسيقي وإيقاعه، وهو أيضاً مصدر مهم من مصادر التاريخ - فقد حفظ للعرب مآثرها وأخبارها وأيامها ونوادرها ومكارمها - والشعر أيضاً منبع ثر من منابع اللغة العربية، وكانت القبيلة إذا نبغ فيها شاعر أتت القبائل المجاورة لتهنئته، فالشاعر يدافع عن أعراضهم ويذب عن أحسابهم ويخلد مآثرهم و يشيد بمكارمهم ويقف بالمرصاد لخصومهم) ص ٤٩، ويأتي الدكتور نوري جعفر بأمثلة منتقاة تأكيداً على منزلة الشعر عند العرب فيقول: (ذلك هو الوجه الأول " الإيجابي المشرق " للشعر العربي الذي أعلى منزلته بين الناس، أما الوجه الثاني المغاير" السلبي البشع " فيتجلى في الهجاء وبخاصة المقذع السمج الذي هو بنظرنا وصمة عار في جبين الشعر العربي القديم والحديث، فقد أسرف الشعراء " وفي مقدمتهم الفطاحل" في الهجاء وتناولوا لأعراض الناس الأحياء والموتى، قال حسان بن أسحق أن أباه ذكر له عن جده أنه قال لمسلم بن الوليد:
ويحك أما استحيت من الناس حين هجوت خزيمة بن حازم.. ولا استحييت منا نحن أخوالك، وقد علمت أننا نتولاه... وهو من تعرف فضلاً وجوداً، فضحك مسلم بن الوليد وقال يا أبا أسحق - لغيرك الجهل -: أما تعلم أن الهجاء آخذ بطبع الشاعر، وهو أجدى عليه من المديح المضرع) ص64.
ويذكر الدكتور المؤلف أمثلة في الفقرة هذه فيقول: (قال أبو حاتم السجستاني: كان الأخفش يطعن على شعر بشار، فلما سمع بشار بذلك، قال دعوني إياه، فبلغ ذلك الأخفش فارتاع وقال وقعت بلسان الأعمى، فذهب أصحابه إلى بشار وسألوه أن لا يهجوه) ص65.
ويقول الدكتور نوري جعفر: (والشعراء لاسيما الفطاحل منهم لا يتورعون في هجاء من سبق لهم أن مدحوه، وقد بلغ أبو الطيب المتنبي القمة في موقفه من كافور، فأنشد مادحاً ومن ثم هاجياً) ص68.
أما الفصل الثاني فقد درس فيه الدكتور (آراء مختلفة في الموازنة بين الشعراء) قائلاً: (ثبت لدينا بشكل لا يقبل الشك أو الجدل - في ضوء دراستنا المستفيضة بالذات التي استغرقت سنين طويلة والتي استشرنا فيها أمهات كتب الأدب والتاريخ ودواوين فطاحل الشعراء - أن المعنيين بدراسة الشعر ورواته وأصحابه والمستمعين بتلاوته وسماعه يختلفون فيما بينهم إختلافاً كبيراً - يصل إلى حد التناقض أحياناً -في التمييز بين جيد الشعر ورديئه وفي المفاضلة بين الشعراء، والإختلاف المشار إليه يعود - في هذه الحالة بالذات الى عوامل شخصية ذاتية ناجمة في الأصل عن الذوق الأدبي الخاص والسجية الشعرية وبغزارة المعرفة بالشعر والغوص في متاهاته وتشعباته المتعددة، يضاف إلى ذلك - ولا يقل أثراً عنه - إنتقاء وجود موازین معينة مستقرة ومتفق عليها للحكم على جودة الشعر والمفاضلة بين الشعراء)ص ٩٥.
ويذكر الدكتور المؤلف في هذا الفصل بعض الأمثلة حول موضوع الموازنة بين الشعراء فيقول: (ذكر الرواة أنه كان يضرب للنابغة الذبياني قبة أدم بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها، فأنشده مرة الأعشى ثم حسان بن ثابت ثم قوم آخرون من الشعراء، ثم جاءت الخنساء فأنشدته:
وان صخراً لتأتمُ الهداة به كأنه علم في رأسه نار
فقال النابغة: لولا أن أبا بصير - يعني الأعشى - أنشدني آنفا لقلت أنك أشعر الإنس والجن، فقام حسان بن ثابت مغضباً وقال: أنا والله أشعر منها ومنك ومن أبيك فأجابه النابغة بهدوء ورزانة:
يا ابن أخي أنت لا تحسن أن تقول:
فانك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
خطاطيف حجن في حبال متينة تمـــد بـــها أيـــد إليــك نوازع
فوجم حسان ولم ينبس ببنت شفة). ص96
ويستعرض الدكتور نوري جعفر ما تحدث به بعض علماء اللغة العربية وآرائهم في الشعراء فيقول: (وقال إبن الأثير في كتابه " المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر "ج3 ص ٢٢٥: وقد وقفت من الشعر على كل ديوان ومجموع وأنفذت شطراً من العمر في المحفوظ والمسموع فألفيته بحراً لا يوقف على ساحله.... وقد اكتفيت - في هذا - بشعر أبي تمام حبيب بن أوس وأبي عبادة الوليد البحتري وأبي الطيب المتنبي وهؤلاء الثلاثة هم لات الشعر وعزاه ومناته: الذين ظهرت على أيديهم حسناته ومستحسناته وقد حوت أشعارهم غرابة المحدثين الى فصاحة القدماء وجمعت بين الأمثال السائرة وحكمة الحكماء) ص100، ويستمر الدكتور المؤلف يذكر الحوادث والموازنات بيت الشعراء عند اللغويين العرب فيقول: (قال يونس بن حبيب النحوي: ان علماء البصرة كانوا يقدمون إمرأ القيس: وان أهل الكوفة كانوا يقدمون الأعشى، وأن أهل الحجاز والبادية كانوا يقدمون زهيرا والنابغة الذبياني،

وقال آخرون: الشعراء ثلاثة: جاهلي واسلامي ومولد، فالجاهلي إمرؤ القيس والإسلامي ذو الرمة والمولد إبن المعتز، وقال غيرهم: الأعشى والأخطل وأبو نواس، وذهب فريق ثالث إلى ترتيبهم على نحو آخر،المهلهل وعمر بن أبي ربيعة والعباس بن الأحنف) ص ١٠٤ وعلى ذكر الموازنة بيت الشعراء يذكر الدكتور نوري جعفر ما كتبه أبو منصور الثعالبي في يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر / مج3، ص16، (لما كان الشعر عمدة الأدب وعلم العرب الذي اختصت به عن سائر الأمم وبلسانهم جاء الكتاب المنزل على النبي منهم المرسل ص كانت أشعار الإسلاميين أرق من أشعار الجاهليين، وأشعار المحدثين ألطف من أشعار المتقدمين، وأشعار المولدين أبدع من أشعار المحدثين، وكانت أشعار العصريين أجمع لنوادر المحاسن وأنظم لبدائع اللطائف من أشعار سائر المذكورين لإنتهائها إلى أبعد غايات الحسن وبلوغها أقصى نهايات الجودة والظرف تكاد تخرج من باب الإعجاب الى باب الإعجاز ومن حد الشعر إلى السحر) ص 111.
وفي الفصل الثالث الذي عنوانه (فن الشعر وجهة النظر الفلسفية)، وقد ذكر الدكتور فيه آراء الفلاسفة بالشعر ومن المؤكد. سيكون كتاب (فن الشعر) لأرسطو طاليس هو معرض الحديث للدكتور جعفر فيقول: (لاشك في أن رأي أرسطو طاليس بالشعر ذو علاقة وثيقة بوجهة نظره السايكولوجية فيما يتعلق بحصول الفرد على المعرفة، فالطفل يولد - بنظر أرسطو طاليس - خلوا من كل فكر وان كان قادراً على الإتصال الحسي بالعالم المحيط به، ثم ترتقي مداركه بفعل القوة المتخيلة فيتخيل ما يشاهده حسياً أو يسمع صوته أو يشم رائحته أو يلمسه أو يتذوقه وقد يتسرب الوهم إلى الذهن في هذه المرحلة - الوسطى من مراحل تطور المعرفة عند الإنسان - فتصبح معرفته " وهمية " ثم ترتقي مداركه بفعل العقل الى مستوى المعرفة اليقينية) ص ١25،
وبعد شرح ممتع لآراء أرسطوطالياس بالشعر ينتهي بالقول: (لقد كان كتاب " فن الشعر " بإجماع آراء مؤرخي حياة أرسطو و فلسفته و بإجماع آراء مؤرخي الفلسفة والشعر - أقدم وثيقة معروفة لدى النوع الإنساني عن الشعر عموماً وعن الشعر اليوناني القديم بصورة خاصة وما زال كتاب أرسطو متداولاً بين المعنيين بدراسة الشعر في كثير من الأقطار)ص١2٩. والرائع في كتابات الدكتور نوري جعفر أنه يستوفي وجهات نظر الجميع في القضية التي يريد توضيحها وشرحها فانتقل الى الفلاسفة المسلمين كي يستعرض آراءهم بالشعر وما قالوا عنه فيقول: (يجمع الفلاسفة المسلمون على القول أن الإنسان يولد مفطوراً على النطق الذي آلته اللسان، ولكن يحتاج منذ الولادة الى من يقوم نطقه ويصلحه ليكون كلامه منسجماً مع سياق اللغة التي يتعلمها ممن حوله) ص ١٣٤،
أما الشعر في نظر الفلاسفة المسلمين فيتحدث لنا الدكتور المؤلف ما نصه: (الشعر بنظر الفلاسفة المسلمين صناعة لفظية تتعاطاها جميع الأمم بدون استثناء، والشعر يستثير المشاعر الإيجابية " كالبهجة والسرور والتفاؤل والحماسة " ويستثير أيضاً المشاعر السلبية " كالحزن والألم والحقد والخوف "، والشعر عندهم يستند إلى القوة المتخيلة، أما أركانه فهي الوزن المخصوص عند العروضيين والقافية المعروفة في علم القيافة) ص 136،
وبعد شرح ميسر وممتع لآراء الفلاسفة المسلمين مع إستعراض لآرائهم منهم ابن سينا في كتاب الشفاء (الفن التاسع) في الشعر مطلقاً وأصناف الصيغ الشعرية وأصناف الأشعار اليونانية، وكذلك ينقل الدكتور المؤلف رأي إبن رشد في كتابه (الشرح الوسيط)، ورأي أبي نصر الفارابي (المعلم الثاني) في رسالته الموسومة (رسالة في قوانين صناعة الشعراء)، ومن الإنصاف عند الدكتور نوري جعفر بعد أن نقل لنا آراء الفلاسفة في الشعر أن يتحدث لنا عن وجهات النظر لغير الفلاسفة لفن الشعر وهو ما تضمنه الفصل الرابع فقد نقل لنا الدكتور المؤلف و بإسلوب ممتع ما قاله هؤلاء عن الشعر فبدأ بمحمد بن سلام الجمحي (ت 231هـ) في كتابه الموسوم (طبقات فحول الشعراء) ومن ثم ما قاله إبن قتيبة (ت 276هـ) في كتابه (الشعر والشعراء) وإبن طباطبا العلوي (ت ٣٢٢ هـ) .
كتابه (عيار الشعر) وقدامة بن جعفر (ت 335هـ) في كتابه (نقد الشعر) وأبو علي الحاتمي (ت388هـ) في كتابه (حلية المحاضرة) والمرزباني (ت ٣٨٤ هـ) في كتابه (الموشح) وأبو هلال العسكري (ت ۳۹5هـ) في كتابه (الصناعتين)، والمرزوقي (ت ٤٢١ هـ) في مقدمته لشرح ديوان الحماسة، وإبن رشيق القيرواني (ت 456هـ) في كتابه (العمدة)، وعبد القاهر الجرجاني (ت٤٧٤هـ) في كتابيه (أسرار البلاغة)
و(دلائل الإعجاز)، وكان الدكتور المؤلف دارساً متفحصاً لآراء هؤلاء العلماء في الشعر والشعراء مع نماذج مختارة وأبيات شعرية تأثر بها هؤلاء العلماء.
ونأتي إلى الفصل الخامس فبعد أن كتب لنا الدكتور نوري جعفر وبعناية ودراية لتراثنا العربي في الفصول الأربعة السابقة، ويرى أن يكون الفصل الخامس والأخير (فن الشعر.. وجهة نظر المؤلف) فكان فصلاً مهماً والبداية كانت ما نصه: (لاشك أن اللغة -- أية لغة - بمعنى لغة الكلام المتحدث به والمدون أهم منجزات الإنسان من الناحية الثقافية والحضارية، وهي أداة نشوء الفكر وتطوره وتداوله بين الناس في المجتمع الواحد وبين المجتمعات وعبر الأجيال، وللغة - أية لغة - نمطان من التعبير: أحدهما بالرموز المدونة وبالأصوات المتحدث والآخر بالإشارات، النمط الثاني هذا أوسع مدى وأدق تعبيراً من لغة الكلام على سعتها ودقتها، قال شوقي:
وتعطلت لغة الكلام وخاطبت
عيني في لغة الهوى عيناك، ص ۱۹۳
ويورد الدكتور المؤلف أمثلة لأبي نواس وأبي علي البصير لتأكيد ما قاله في النمط الثاني، ومن ثم يتحدث فيقول: (وكلام العرب وحي وإشارات و مجازات، ولهذه الحال كان كلامهم في المرتبة العليا من الفصاحة فإن الكلام متى ما خلا من المجاز ومتى ما كان كله على الحقيقة كان بعيداً عن الفصاحة خلواً من البلاغة، ومن هذه الزاوية تصبح الإستعارات والكنايات والتورية أوضح منابع الإناقة في نثر اللغة العربية وفي نظمها) ص ١٩٧.
وما زلت أتصفح صفحات الفصل الخامس واذا بي أرى الذائقة الأدبية الرفيعة للعلامة نوري جعفر وهو يعطينا أمثلة للشعر الجيد الذي قاله شعراؤنا العرب وهم يقولون في أغراض الشعر كافة، عالم نفساني وتربوي فذ و محقق ثبت اشتغل على آليات الدماغ وأديب كاتب حقق شهرة في كل ما كتب وأصدر من مؤلفات وبحوث، له الحسنى في كل ما أعطى من علم وفائدة.







التعليقات