انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

هل لنا خيارٌ آخر؟.. قراءة في نص من المجموعة الشعرية أصفى من البياض للشاعر عبد السادة البصري

أميرة ناجي
أميرة ناجي

ناقدة وفنانة تشكيلية

3 دقائق للقراءة
39 مشاهدة
هل لنا خيارٌ آخر؟.. قراءة في نص من المجموعة الشعرية أصفى من البياض للشاعر عبد السادة البصري
مشاركة:

تنبض المجموعة الشعرية أصفى من البياض بحس إنساني رقيق يجعل من الكلمة مساحة للتأمل في الحب والغياب والحنين. وهي مجموعة تنتمي إلى ذلك الشعر الذي لا يكتفي بسرد المشاعر بل يحاول أن يلامس أعماق الروح ويستنطق أسئلتها الكبرى. ومن بين نصوصها اللافتة يبرز نص

هل لنا خيار آخر؟

الذي يضع القارئ منذ العنوان أمام سؤال مفتوح على احتمالات كثيرة من الشوق والانتظار والبحث عن خلاص ممكن.

يقول الشاعر والروائي الفرنسي فيكتور هوغو:

أعظم سعادة في الحياة أن نشعر بأننا محبوبون.

تكشف هذه المقولة حاجة الإنسان الدائمة إلى منحه الطمأنينة والدفء وإلى وجود قلب يشاركه الطريق. وعندما نقترب من نص الشاعر البصري نجد أن هذا المعنى يحضر بعمق في ثنايا القصيدة. فالشاعر لا يبحث عن حضور شخص بعينه بقدر ما يبحث عن ذلك النور القادر على انتشال الروح من وحدتها وإعادة التوازن إلى القلب بعد طول التيه.

يفتتح الشاعر نصه بسؤال يحمل في داخله الكثير من القلق الإنساني هل لنا خيار آخر؟

وهو سؤال لا ينتظر جواباً مباشراً بقدر ما يكشف عن حالة وجدانية تعيشها الذات الشاعرة وهي تقف عند مفترق الطرق بين البقاء والرحيل وبين الأمل واليأس. ومنذ السطور الأولى يضعنا أمام عالم مزدحم بالأقاويل والاحتمالات فيما تبقى الروح وحيدة تواجه أسئلتها الخاصة.

يعتمد النص على حركة مستمرة بين الداخل والخارج. فالطرقات والمسارات ليست مجرد أمكنة وإنما إشارات إلى مسيرة الإنسان في الحياة. وكل طريق يقود إلى احتمال جديد من اللقاء أو الفقد. ولهذا تتكرر الأسئلة المرتبطة بالقمر والصباح وكأن الشاعر يحاول أن يجد في حركة الكون ما يطمئنه إلى أن للحب طريقاً آخر غير الانكسار.

هل لنا خيارٌ آخر؟..

قراءة في نص من المجموعة الشعرية أصفى من البياض للشاعر عبد السادة البصري

ومن أجمل ما يلفت الانتباه في النص توظيف صور البحر والطائر. فعندما يخاطب الآخر قائلاً:

وأنت نورسان والبحر كبير تتسع الصورة لتتجاوز حدود العلاقة الفردية. النورس رمز للحرية والعودة والبحث عن المرافئ الآمنة أما البحر فيمثل اتساع الحياة وغموضها وتقلباتها. وبينهما يقف الإنسان حاملاً ضعفه وأحلامه وخوفه من الضياع.

ثم ترتقي الصورة إلى مستوى أكثر شفافية حين يقول إنهما جناحا طائر بري. هنا يتحول الحب إلى ضرورة وجودية لأن الطائر لا يحلق بجناح واحد. ومن خلال هذه الصورة البسيطة والعميقة يؤكد الشاعر أن الإنسان يظل محتاجاً إلى من يشاركه الرحلة ويمنحه القدرة على مواصلة التحليق رغم العواصف.

الحنين هو النغمة الأساسية التي تسري في النص كله. لكنه ليس حنيناً إلى الماضي وحده بل حنين إلى الطمأنينة وإلى ذلك الصفاء الذي يسبق الخيبات. ولهذا تأتي عبارة امنحيني بعض حنان

لتشكل ذروة التجربة الشعورية. فبعد سلسلة طويلة من الأسئلة والصور والاستعارات يعود الشاعر إلى حاجة إنسانية بسيطة تختصر كل ما سبقها. إن القلب المتعب لا يطلب الكثير بل يبحث عن لمسة دفء تعينه على احتمال الطريق.

كما يحتل الزمن مكانة واضحة في القصيدة. فالحكايات تنتهي والأقاويل تتلاشى لكن أثرها يبقى عالقاً في الذاكرة. ومن هنا تنشأ مفارقة جميلة داخل النص. فالشاعر يتحدث عن انتهاء الحكايات بينما تستمر القصيدة نفسها في استدعائها وإحيائها. وكأن الحب لا يغادر تماماً بل يغير شكله ويستقر في أعماق الوجدان.

يقدم  الشاعر في هذا النص تجربة شعرية تعتمد على اللغة الشفافة والصور الهادئة والإيقاع الداخلي الذي يتشكل من تتابع الأسئلة والنداءات. وهو ينجح في تحويل الحيرة إلى شعر والانتظار إلى مساحة للتأمل والحنين إلى قوة تمنح النص جماله وصدقه.

إن نص هل لنا خيار آخر؟

من مجموعة أصفى من البياض ليس مجرد قصيدة حب بل رحلة روحية تبحث عن المعنى وسط ضباب الحياة. وفي هذه الرحلة يضع الشاعر القارئ أمام مرآة مشاعره الخاصة فيجد نفسه شريكاً في السؤال والرجاء والأمل. وهنا تكمن قوة النص وقدرته على البقاء في الذاكرة بعد انتهاء القراءة.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٥ أيلول ٢٠٢٦ في ١٠:٤٢ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مصنع السحاب
قراءات

مصنع السحاب

مصنع السحاب قراءة في رواية مصنع السحاب للكاتب حامد عبد الصمد نشوان عزيز عمانوئيل حامد عبد الصمد كاتب يميل إلى الاقتراب من الأسئلة الشائكة التي غالبًا ما يتجنبها الخطاب المألوف، ويمنح في كتابته مساحة واسعة للتفكير في الإنسان، وحريته، وخوفه، وعلاقته بالموت والمعنى. وفي «مصنع السحاب» يذهب بهذا…

· 6 د
مديح الصادق...

 الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا
قراءات

مديح الصادق... الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا

في تلك الليلة، لم تكن بغداد نائمة، بل كانت تتظاهر بالنوم. المدينة التي أتقنت، عبر قرون طويلة، فن إغلاق عينيها مع إبقاء أذن واحدة مفتوحة ناحية قصر الوالي، كانت تسمع وقع أقدام رجل يدور في غرفة واسعة، جيئة وذهابًا، كأن الأرض تحت قدميه أصغر من أن تتسع لعطشه. كان اسمه مشحوت، وكان عبدًا، لكن العبودية لم…

· 8 د
حين يقرأ البحرُ قارئَه:

ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين
قراءات

حين يقرأ البحرُ قارئَه: ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين

إسماعيل نوري الربيعي ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من…

· 9 د