انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

لهيب الصمت

نص نثري

داود سلمان عجاج
داود سلمان عجاج

قاص عراقي.

2 دقائق للقراءة
19 مشاهدة
لهيب الصمت
مشاركة:

آه... من سيرِ رماد الذكريات،

آه... من لهيب الصمت الطويل،

آه... من أشواك الأحزان حين تستيقظ دفعةً واحدة،

ومن أشواق الطفولة والشباب وهي تعود من بعيد،

كأنها لم تغادرني يوماً.

تتجمع الذكريات في رأسي متزاحمة،

تتدافع كقطيعٍ هارب من شيء لا أعرفه،

تضرب جدران جمجمتي المتعبة من فرط التفكير،

تحاول أن تجد لها منفذاً،

وأحاول أن أمنعها...

لكن كيف يُغلق المرء باباً حين تكون المفاتيح كلها في داخله؟

أجلس أمام ذلك البعد،

أراقبه وهو يلتهم المسافة بيني وبينه ببطء،

ولا أدري:

أأتبع ذلك السراب الذي يلوّح لي من أقصى الذاكرة؟

أم أبقى واقفاً عند هذا الحد،

حيث يأكلني الصمت،

ويتركني الانتظار معلقاً بين احتمالين؟

هناك شيء ما في داخلي...

شيء يشبه بركاناً لم يتعلم كيف يقذف حممه،

فاحتفظ بكل ناره في جوفه،

حتى صار رماده يسري في عروقي.

لا حمم سوداء تندفع إلى الخارج،

ولا صرخة تستطيع أن تشق هذا السكون،

فقط مرجلٌ عتيق في أعماقي،

يغلي بصمت،

ويحمل فوق غليانه سنواتٍ من الكلام الذي لم يُقل،

والأبواب التي أُغلقت قبل أن أطرقها،

والوجوه التي غادرت قبل أن أقول لها: لا تذهبوا.

أشعر بهديره يتصاعد من وسط الأحشاء،

يتسلل إلى القلب،

ثم يصعد إلى الحنجرة،

لكنه يتوقف هناك...

كأن شيئاً ما يخنقه قبل أن يتحول إلى صوت.

فأذوب...

لا كقطعة ثلج،

بل كصخرة أكلتها النار طويلاً،

تتشقق أولاً،

ثم تفقد صلابتها،

ثم لا يبقى منها سوى غبارٍ لا يعرف إلى أين تمضي به الريح.

أشعر أنني أتلاشى ببطء،

ذرةً بعد ذرة،

حتى لا أعود قادراً على الإمساك بملامحي.

وجهي يبتعد عني،

اسمي يبهت،

خطواتي تصبح بلا أثر،

وكل ما كنت أظنه ثابتاً في داخلي

يتحول إلى شظايا معلقة في الهواء.

ثم لا يبقى مني

إلا خيطٌ رفيع من دخان أسود،

يصعد من مكانٍ لا أعرفه،

يلتف حول الذكريات،

ثم ينسحب معها إلى جهةٍ أخرى.

أزداد بعداً...

وأتشتت.

أمد يدي،

فلا ألمس سوى الفراغ.

تقطر عيناي دماً،

لا لأنني أبكي،

بل لأن الدمع نفسه عجز عن حمل هذا الوجع.

وأمضي...

لا ألتفت.

أغادر دون وداع،

كأن الوداع اعترافٌ أخير بأنني كنت هنا.

أمضي،

وخلفي ذاكرةٌ مشتعلة،

وأمامي طريقٌ لا أعرفه.

وربما...

في مكانٍ ما بين اللهيب والرماد،

كان هناك صوتٌ صغير يسألني:

هل كنت تهرب من الماضي...

أم كنت تهرب من نفسك؟

ولم أجب.

فبعض الأسئلة،

حين تأتي متأخرة،

لا تحتاج إلى جواب...

يكفي أن تظل مشتعلة في الداخل.

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٧:٣٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

فدرالية القلب
شعر

فدرالية القلب

توضّأ بحفنةِ ضوءٍ.. واستقام، وعلى جبهته يشعُّ وطن.. ويرفل في قلبه عشقُ أرضٍ عُجنت بالدماء، من صالحٍ وشهيد. سارت على خطاه قلوبٌ هدّها العشق، وما برحت تسعى إليه، وخلف ظلّه ظلالُ ملايين الفراشات.. فوق أجنحتها حورُ عين، وأنهارُ خمرٍ طازجة، وحلمٌ قديم. يرفع خطوةً، وأخرى يتأنّى كي لا تقع.. سهواً، على عين…

· 1 د
طاحونتي الحمراء
شعر

طاحونتي الحمراء

الأذرع الدائرة للطاحونة كانت حمراء كذلك الباصات الدائرة في الشوارع و الشفاه الحاضرة بابتذال أغطية الموائد أربطة عنق الشيوعيين مداومة الطحن و الضوء الذي انتزع الماء من وجهي و ألقى بمتراسي نهبًا للمصابيح. * أنا أيضًا سأعتلي المسرح عارضًا ما بحوزتي على حضرات المتفرجين لن أستميحهم عذرًا و أنا أتلو آخر…

· 1 د
شقشقة سحر البيان
شعر

شقشقة سحر البيان

و حسبي أن أراك و أن تراني و لكن ضاع عمري في زماني فلا أنّي التقيتكَ في منامي و لا أنّي التقيتك في العيانِ بأحلامي العريضة تاه شوقي إليك الأمسِ في مرأى الرّوانِ أفزفز بالوسائدِ في سهادي و أنفش ريشها بالخيزرانِ فلا ألقى بحشوتها غراماً و لا عطر الحرائر و الحسانِ أروم الوصل .. أشبقه كثيراً و أستاف…

· 1 د