انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الأرض التي تحفظ أسماءها قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثرية الإنقاذية في موقع قشلة دهوك

للدكتور محمد عجاج جرجيس والدكتور حسن أحمد البرواري

داود سلمان عجاج
داود سلمان عجاج

قاص عراقي.

4 دقائق للقراءة
33 مشاهدة1 تعليق
الأرض التي تحفظ أسماءها قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثرية الإنقاذية في موقع قشلة دهوك
مشاركة:

الأرض التي تحفظ أسماءها

قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثرية الإنقاذية في موقع قشلة دهوك

لا يُعدّ الموت خاتمة الإنسان بقدر ما هو بداية لاختبار أثره في الحياة. فالأعمار تنتهي، أما ما يتركه الإنسان من علم وفكر وإبداع فإنه يمتلك قدرةً على تجاوز حدود الزمن، ليصبح جزءاً من ذاكرة الأمم. ولعل أعظم ما يورثه الإنسان ليس المال ولا الجاه، بل المعرفة التي تضيء الطريق لمن يأتي بعده. ومن هنا، فإن الموروث لا يمثل بقايا الماضي الجامدة، وإنما هو ذاكرة متجددة تستعيدها الأجيال، وتعيد قراءتها وفق حاجاتها وأسئلتها ورؤيتها للعالم.

وقد أدرك المؤرخ العربي "ابن خلدون" هذه الحقيقة حين قال:

"التاريخ في ظاهره لا يزيد على الإخبار، وفي باطنه نظر وتحقيق."

فالتاريخ ليس سرداً لما مضى، وإنما هو محاولة لفهم الإنسان عبر ما تركه من آثار وشواهد، ليصبح الماضي مرآةً للحاضر، ودليلاً للمستقبل.

إن ما يتركه الإنسان مكتوباً أو محفوظاً أو منقوشاً في ذاكرة الأرض لا يتوقف عند لحظة الرحيل، بل يبدأ حياةً جديدة في وعي الآخرين. فالموروث الساكن يموت بموت أصحابه، أما الموروث الحي فهو الذي يعيد الأحياء اكتشافه وتأويله، فيغدو جزءاً من حاضرهم ومستقبلهم. لذلك فإن الحضارات لا تبقى بالحجارة وحدها، وإنما بالعقول التي تمنح تلك الحجارة معنى، وبالقلوب التي تقرأ في صمتها حكايات الإنسان الأولى.

ومن هذا المنطلق، يبرز كتاب "التقنيات الأثرية الإنقاذية في موقع قشلة دهوك"، للدكتور الراحل محمد عجاج جرجيس، بالاشتراك مع الدكتور حسن أحمد قاسم البرواري، بوصفه عملاً علمياً يتجاوز حدود التوثيق الأثري، ليصبح رسالةً في حماية الذاكرة الحضارية من الضياع. فالكتاب لا يقدم وصفاً لعمليات التنقيب فحسب، بل يضع القارئ أمام مسؤولية الحفاظ على ما تبقى من الشواهد التي تؤكد عمق الحضارة وتراكمها عبر آلاف السنين.

وهنا تحضر كلمات المفكر الدكتور "مصطفى محمود" حين قال عن معنى الحياة:

"الحياة أن تترك أثراً بين الميلاد والموت."

وهي عبارة تختصر سيرة الدكتور محمد عجاج جرجيس، الذي لم يكن باحثاً في الآثار فحسب، بل كان باحثاً في هوية المكان والإنسان، حتى ترك للمكتبة العراقية أكثر من سبعين مؤلفاً توزعت بين علم الآثار، والفلكلور، والموروث الشعبي، فغدا أثره العلمي امتداداً لحياته، وليس مجرد سجل لإنجازاته.

ويتألف الكتاب من أربعة فصول، تناول فيها المؤلفان أعمال التنقيب الأثري الإنقاذي في موقع قشلة دهوك، ذلك الموقع الذي ظل واقفاً في مواجهة الزمن، شاهداً على تحولات التاريخ وتعاقب الحضارات. فالقشلة ليست بناءً أثرياً صامتاً، وإنما نصٌّ مفتوح تكتبه طبقات الأرض، وتقرأه معاول المنقبين، لتتحول كل قطعة مكتشفة إلى جملة جديدة في كتاب الحضارة.

ولعل أجمل ما يقدمه هذا الكتاب أنه يعيد تعريف علم الآثار بوصفه علماً لإنقاذ الذاكرة، لا مجرد بحث عن اللقى القديمة. فكل عملية تنقيب هي سباق مع الزمن قبل أن تبتلع الطبيعة أو العمران ما بقي من شواهد الماضي. وهنا تكتسب التقنيات الأثرية الإنقاذية أهميتها، لأنها لا تنقذ حجراً أو جداراً، وإنما تنقذ قصة إنسان، وهوية شعب، وصفحة من التاريخ.

ويصدق هنا قول الفيلسوف الروماني "شيشرون":

"التاريخ شاهد الأزمنة، ونور الحقيقة، وحياة الذاكرة."

فالآثار ليست جمادات صامتة، بل ذاكرة ناطقة، وكل اكتشاف أثري يضيف سطراً جديداً إلى كتاب الإنسان الطويل.

كما أن هذا العمل يعيد إلى الأذهان مقولة الفيلسوف "جورج سانتايانا":

"من لا يتذكر الماضي، محكوم عليه أن يعيشه مرة أخرى."

فالوعي بالماضي ليس ترفاً ثقافياً، وإنما ضرورة حضارية، لأن الأمم التي تعرف جذورها تكون أقدر على صناعة مستقبلها.

ومن خلال ما يقدمه الكتاب من نتائج علمية موثقة، تتجسد قشلة دهوك بوصفها متحفاً مفتوحاً تحت السماء، ومكاناً تتعانق فيه الشواهد المادية مع الذاكرة الإنسانية، لتمنح الباحث والقارئ فرصة إعادة قراءة صفحات ربما بقيت مطويةً في أعماق الأرض لقرون طويلة. وهنا لا يصبح التنقيب كشفاً عن الموجودات فحسب، بل استنطاقاً للصمت، وإعادةً للحياة في ذاكرة المكان.

ولعل ما يمنح هذا الكتاب بعداً وجدانياً خاصاً أنه صدر بعد رحيل مؤلفه الدكتور محمد عجاج جرجيس، فكأنه الكلمة الأخيرة التي تركها للأجيال القادمة. لقد غاب الجسد، لكن بقيت الصفحات شاهدة على عقل لم يتوقف عن البحث، وروح آمنت بأن حماية الآثار هي في جوهرها حماية لذاكرة الإنسان.

ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في ختام هذه القراءة، إن الدكتور محمد عجاج جرجيس أثبت أن الباحث الحقيقي لا تنتهي رحلته عند حدود العمر، وإنما تبدأ رحلة أخرى كلما فتح قارئ كتاباً من كتبه، أو استند باحث إلى فكرة من أفكاره. وهكذا يتحول الكتاب إلى حياة ثانية لصاحبه، ويتحول الأثر إلى لغة لا تعرف الموت. فالأرض تحفظ آثار من مرّوا عليها، أما الكتب فتحفظ أسماء الذين منحوا تلك الأرض صوتها، ولذلك سيبقى اسم الدكتور محمد عجاج جرجيس حاضراً كلما استنطق باحثٌ حجراً، أو أزاح منقبٌ طبقةً من التراب، أو قرأ عاشقٌ للتاريخ هذا السفر العلمي، ليوقن أن الإنسان يرحل، لكن أثره الصادق يبقى أطول عمراً من الزمن نفسه.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٦:٠٩ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مصنع السحاب
قراءات

مصنع السحاب

مصنع السحاب قراءة في رواية مصنع السحاب للكاتب حامد عبد الصمد نشوان عزيز عمانوئيل حامد عبد الصمد كاتب يميل إلى الاقتراب من الأسئلة الشائكة التي غالبًا ما يتجنبها الخطاب المألوف، ويمنح في كتابته مساحة واسعة للتفكير في الإنسان، وحريته، وخوفه، وعلاقته بالموت والمعنى. وفي «مصنع السحاب» يذهب بهذا…

· 6 د
مديح الصادق...

 الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا
قراءات

مديح الصادق... الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا

في تلك الليلة، لم تكن بغداد نائمة، بل كانت تتظاهر بالنوم. المدينة التي أتقنت، عبر قرون طويلة، فن إغلاق عينيها مع إبقاء أذن واحدة مفتوحة ناحية قصر الوالي، كانت تسمع وقع أقدام رجل يدور في غرفة واسعة، جيئة وذهابًا، كأن الأرض تحت قدميه أصغر من أن تتسع لعطشه. كان اسمه مشحوت، وكان عبدًا، لكن العبودية لم…

· 8 د
حين يقرأ البحرُ قارئَه:

ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين
قراءات

حين يقرأ البحرُ قارئَه: ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين

إسماعيل نوري الربيعي ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من…

· 9 د